تجري من تحتها الأنهار بعد المغفرة وحب الله . . فهنالك عمل في أغوار النفس وهنالك عمل في ظاهر الحياة . وكلاهما عمل وكلاهما حركة وكلاهما نماء .
ــــــــــــــــــــ
قال تعالى: قال تعالى: { وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء/87-90]
يَذْكُرُ اللهُ تَعالى قِصَّةَ يونُسَ عليهِ السلامُ ( وهوَ ذو النُّونِ أيْ صاحبُ الحُوت ) ، وكانَ اللهُ قَدْ بَعَثَهُ نَبِيًا إلى أَهْل نينَوَى فَدَعَاهُمْ إلى عِبَادةِ اللهِ وَحدَهُ فَأَبَوْا ، وَتَمَادَوْا في كُفْرِهم ، فَخَرَجَ يُونُسُ مِنْ بَيْنِهِم مُغَاضِبًا لَهُمْ ، وأَتْذَرَهُمْ بأنَّ العَذَابَ وَاقِعٌُ بِهِمْ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّام ، فَلما تَحَقَّقُوا مِنْ ذَلِكَ ، وَعِلمُوا أنَّ النبيَّ لا يَكْذِبُ ، خًَرَجُوا مِنَ البلدِ بأطْفَالِهم وأنْعامِهم ومَوَاشِيهِم ، ثُمَّ تَضَرَّعُوا إلى اللهِ تَعَالى ، وَجأَرُوا إليهِ بالدُّعَاءِ ، فَرَفَعَ اللهُ عَنْهُمْ العَذابَ ، وصَرَفَهُ عَنْهُم ، كَمَا جَاءَ في آيةٍ أُخْرى .
أمَّا يونسُ فإنَّه تَرَكَ قَوْمَه مُغَاضِبًا لَهُم ، وذَهَبَ فَرَكِبَ في سَفِينَةٍ فَاضْطَرَبَتْ وَخافَ مَنْ فِيها مِنْ غَرَقِها ، فاقْتَرعُوا على رَجُل يُلقُونهُ مِنْ بينِهم في الماءِ يَتَخفَّفُونَ مِنهُ ، فوقَعَتِ القُرْعَةُ على يُونُسَ ، فَأَبَوْا أنْ يُلْقُوهُ ، ثُمَّ أعادُوا القُرْعَةَ فَوَقَعَتْ علَيْهِ ، فَأَبَوْا ، ثمَّ أعَادُوا للمرةِ الثّالثةِ فَوَقَعَتْ عليه ، فَتَجَرَّدَ يُونُسُ مِنْ ثِيَابِهِ ، وأَلْقَى بِنَفْسِهِ في المَاءِ ، فالْتَقَمَهُ الحُوتُ ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ بصَاحِبِ الحُوتِ ( ذُو النُّونِ ) .
وكانَ يُونسُ يَظُنُّ أنَّ الله لَنْ يُضَيِّقَ عليْهِ في بَطْنِ الحُوتِ ، ( أو أنهُ تَعالى لنْ يَقْدِرَ عليه أَنْ يَكُونَ فِي بَطْن الحُوتِ ) فَكَانَ في بَطْنِ الحوتِ في ظُلْمَةٍ ، وفي أعْمَاقِ البَحْرِ في ظُلمَةٍ ، وفي ظَلاَمِ الليلِ في ظُلْمَةٍ ، ولذلك قَالَ تَعالى: { فنادى فِي الظلمات } ودَعاَ رَبَّهُ قائلًا: لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ .
وَقَوْله"فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمّ"أَيْ أَخْرَجْنَاهُ مِنْ بَطْن الْحُوت وَتِلْكَ الظُّلُمَات"وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ"أَيْ إِذَا كَانُوا فِي الشَّدَائِد وَدَعَوْنَا مُنِيبِينَ إِلَيْنَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاء فِي حَال الْبَلَاء فَقَدْ جَاءَ التَّرْغِيب فِي الدُّعَاء بِهِ عَنْ سَيِّد الْأَنْبِيَاء
قد سمي ذا النون أي صاحب الحوت لأن الحوت التقمه ثم نبذه ، وقصة ذلك أنه أرسل إلى قرية فدعا أهلها إلى الله فاستعصوا عليه ، فضاق بهم صدرًا ، وغادرهم مغاضبًا ، ولم يصبر على معاناة الدعوة