عندما برز العرب أمةً على مسرح الأحداث، وأخذ المسلمون في الإرهاص لتكوين أمة فتية، ودولة صاعدة، تأخذ مكانها تحت الشمس، كانت دولتا الفرس والروم قد هرِمتا، وقد دوَّختْ كل واحدة منهما الأخرى حتى لقد ذكر ذلك القرآن الكريم في سورة الروم. وكان المجتمع في كل من الدولتين الكبيرتين قد نخرته المفاسد الاجتماعية، وظلم الطبقة الحاكمة، وسوء استخدام السلطة، والفقر المستشري في الطبقة الدنيا، وتطلع الناس في هذين المجتمعين، بشغف شديد إلى العدل والمساواة والرحمة، وهذا ما يُبشِّر به الدين الجديد، دين الفاتحين؛ لذلك سعى الكثيرون من رعايا هاتين الدولتين العظيمتين إلى قبول دين الإسلام بطواعية، وفتحوا بلادهم للفاتحين الجدد، وإن كانت ضلوعهم تُكِنُّ غيرة على هؤلاء الفاتحين البدو بأنهم أقل من البلاد المفتوحة حضارة ومدنية، فصالحوا الجيوش التي اجتاحتهم، ودفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وقبلوا بالشروط العادلة التي اشترطها المسلمون، فكانت هذه الجماهير، معوانًا للفاتحين وعلى رأسهم خالد بن الوليد، على فتح البلاد؛ للتخلص من الظلم الذي ران عليهم قرونًا طويلة.
هذا القائد العظيم الذي يتمتع بكل هذه الخصائص، وما ذكرتُ إلا أبرزها يمضي الآن على وفاته أربعة عشر قرنًا، حفزت هذه القرون مجلة التراث العربي أن تقدم ملفًا يذكّر بمآثر هذا القائد الباسل، الذي يشارك في إحياء ذكراه ثُلّة من الكتاب والأدباء العرب، فكتابنا الكريم يقول في القديم: { وذكّر، فإن الذكرى تنفع المؤمنين } وفي الحديث قال شوقي:"فالذكر للإنسان عمرٌ ثاني". ...
ــــــــــ
أرسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جيشا بقيادة سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - لفتح بلاد فارس وكتب إليه عهدا هذا نصه:
1 -تقوى الله:
أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال ، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب .
2 -ترك المعاصي:
وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن بهم قوة ، لأن عددنا ليس كعددهم ، وعدتنا ليست كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم علينا الفضل في القوة ، وإن لم ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا .
واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شرّ منا فلن يسلط علينا وإن أسأنا ، فرُبَّ قوم