وأخيرًا فإن القاعدة الصلبة التي اتسعت أبعادها قبيل الفتح , حتى صارت تتمثل في المجتمع المدني بجملته , هي التي حرست الإسلام وصانته من الهزات بعد الفتح ثم من الهزة الكبرى بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وارتداد الجزيرة عن الإسلام .
إن هذه الحقيقة - كما أنها ترينا تدبير الله الحكيم في المحنة الطويلة التي تعرضت لها الدعوة في مكة ; وفي الأهوال والمشاق والأخطار التي تعرض لها المجتمع المسلم في المدينة حتى الحديبية - هي كذلك تكشف لنا عن طبيعة المنهج الحركي للدعوة الإسلامية المتجددة في أي زمان وفي أي مكان .
إنه ابتداء يجب توجيه الحرص كله لإقامة القاعدة الصلبة من المؤمنين الخلص , الذين تصهرهم المحنة فيثبتون عليها ; والعناية بتربيتهم تربية إيمانية عميقة تزيدهم صلابة وقوة ووعيًا ; ذلك مع الحذر الشديد من التوسع الأفقي قبل الاطمئنان إلى قيام هذه القاعدة الصلبة الخالصة الواعية المستنيرة . فالتوسع الأفقي قبل قيام هذه القاعدة خطر ما حق يهدر وجود أية حركة , لا تسلك طريق الدعوة الأولى من هذة الناحية , ولا تراعي طبيعة المنهج الحركي الرباني النبوي الذي سارت عليه الجماعة الأولى .
على أن الله - سبحانه - هو الذي يتكفل بهذا لدعوته . فحيثما أراد لها حركة صحيحة , عرَّض طلائعها للمحنة الطويلة ; وأبطأ عليهم النصر ; وقللهم ; وبطأ الناس عنهم ; حتى يعلم منهم أن قد صبروا وثبتوا , وتهيأوا وصلحوا لأن يكونوا هم القاعدة الصلبة الخالصة الواعية الأمنية . . ثم نقل خطاهم بعد ذلك بيده - سبحانه - والله غالب على أمره , ولكن أكثر الناس لا يعلمون . . .
ــــــــــــــــــــ
قال تعالى: *إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ* (36) سورة التوبة
خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حِجَّةِ الوَدَاعِ فَقَالَ:"أَلاَ إِنَّ الزَمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ( أَيْ فرَضَ اللهُ احْتِرَامَهَا ، وَحَرَّمَ فِيهَا القِتَالَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ) ، ثَلاَثَةٌ مُتَتَالِيَاتٍ: ذو القعدةِ وذو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ ، وَرَجَبُ مُضَر بَيْنَ جُمادى وَشَعْبَانَ"وَذَلِكَ هُوَ الشَّرْعُ الصَّحِيحُ ، الذِي كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُمَا ، وَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَشْهُرِ الحُرُمِ مِنْ أَحْكَامٍ ، فَلا تَظْلِمُوا فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ أَنْفُسَكُمْ بِارْتِكَابِكُمُ المَعَاصِي لأنَّ الإِثْمَ فِيهَا يَتَضَاعَفُ ، كَمَا أَنَّ المَعَاصِي فِي البَلَدِ الحَرَامِ يَتَضَاعَفُ فِيهَا الإِثْمُ . وَالعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ وَفِي البَلَدِ الحَرَامِ أَعْظَمُ ثَوَابًا عِنْدَ اللهِ .