فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 2003

وكان من الأسباب الظاهرة لهذه الهزيمة في أول الأمر أن ألفين من"الطلقاء"الذين أسلموا يوم الفتح , قد خرجوا مع الآلاف العشرة من جند المدينة الذين فتحوا مكة . فكان وجود هذين الألفين - مع عشرة آلاف - سببا في اختلال التوازن في الصف - بالإضافة إلى عامل المفاجأة من هوازن - ذلك أن الجيش لم يكن كله من القاعدة الصلبة الخالصة التي تمت تربيتها وتناسقها في الزمن الطويل ما بين بدر والفتح .

كذلك كان ما ظهر في أثناء غزوة تبوك من الأعراض والظواهر المؤذية ثمرة طبيعية لهذا الاتساع الأفقي السريع ; ودخول تلك الأفواج الجديدة , بمستوياتها الإيمانية والتنظيمية المخلخلة . . هذه الظواهر والأعراض التي تحدثت عنها سورة التوبة , والتي اقتضت تلك الحملات الطويلة المفصلة المنوعة الأساليب , التي أشرنا إليها في المقتطفات الممثلة لكل مقاطع السورة .

ونستطيع أن نستطرد هنا لنتابع خطوات الواقع التاريخي للمجتمع المسلم بعد عامين اثنين من الفتح ; عندما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارتدت الجزيرة العربية كلها ; ولم يثبت إلا مجتمع المدينة - القاعدة الصلبة الخالصة - فهذه الظاهرة يسهل الآن تفسيرها . . إن عامين اثنين بعد الفتح لم يكونا كافيين لاستقرار حقيقة الإسلام في نفوس هذه الأفواج الكثيرة التي دخلت في دين الله بعد الفتح , بمستوياتها الإيمانية المخلخلة . فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتجت الجزيرة المخلخلة , وثبتت القاعدة الصلبة . واستطاعت هذه القاعدة بصلابتها وخلوصها وتناسقها أن تقف في وجه التيار ; وأن ترده عن مجراه الجارف ; وأن تحوله إلى الإسلام مرة أخرى . .

إن رؤية هذه الحقيقة - على هذا النحو - كفيلة بأن ترينا تدبير الله الحكيم في المحنة الطويلة التي تعرضت لها الدعوة في مكة - في أول الأمر - وحكمته في تسليط المشركين الطواغيت على الفئة المسلمة يؤذونها , ويفتنونها عن دينها , ويهدرون دماءها , ويفعلون بها الأفاعيل !

لقد كان الله سبحانه يعلم أن هذا هو المنهج القويم لتربية الجماعة الأولى وتكوين القاعدة الصلبة لهذه العقيدة . وأنه بدون هذه المحنة الطويلة لاتصلب الأعواد ولاتثبت للضغوط ; وأن هذه الدرجة من الصلابة والخلوص والتجرد والإصرار والمضي في سبيل الله على الأذى والعذاب والقتل والتنكيل والتشريد والتجويع , وقلة العدد , وانعدام النصير الأرضي . . .

إن هذه الدرجة هي وحدها التي تصلح للقاعدة الأصيلة الثابتة عند نقطة الانطلاق الأولى . .

إن هذه القاعدة الصلبة من المهاجرين الأوائل هي التي انضم إليها السابقون من الأنصار , ليكونوا القاعدة في المدينة - قبل بدر - وليكونوا هم الحراس الأقوياء الأشداء في فترة التخلخل التي أعقبت النصر في بدر , بالتوسع الأفقي الذي جاء بأعداد جديدة لم تنضج بعد , ولم تتناسق مع القاعدة في مستواها الإيماني والتنظيمي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت