من معركة الجدل والمناظرة , والبيان والتنوير , والتوجيه والتحذير - فيما سبق من السورة - ينتقل السياق إلى المعركة في الميدان . . معركة أحد . .
وغزوة أحد لم تكن معركة في الميدان وحده ; إنما كانت معركة كذلك في الضمير . . كانت معركة ميدانها أوسع الميادين . لأن ميدان القتال فيها لم يكن إلا جانبا واحدا من ميدانها الهائل الذي دارت فيه . . ميدان النفس البشرية , وتصوراتها ومشاعرها , وأطماعها وشهواتها , ودوافعها وكوابحها , على العموم . . وكان القرآن هناك . يعالج هذه النفس بألطف وأعمق , وبأفعل وأشمل ما يعالج المحاربون أقرانهم في النزال !
وكان النصر أولا , وكانت الهزيمة ثانيا , وكان الانتصار الكبير فيها بعد النصر والهزيمة . . انتصار المعرفة الواضحة والرؤية المستنيرة للحقائق التي جلاها القرآن ; واستقرار المشاعر على هذه الحقائق استقرار اليقين . وتمحيص النفوس , وتمييز الصفوف , وانطلاق الجماعة المسلمة - بعد ذلك - متحررة من كثير من غبش التصور , وتميع القيم , وتأرجح المشاعر , في الصف المسلم . وذلك بتميز المنافقين في الصف إلى حد كبير , ووضوح سمات النفاق وسمات الصدق , في القول والفعل , وفي الشعور والسلوك . ووضوح تكاليف الإيمان , وتكاليف الدعوة إليه , والحركة به , ومقتضيات ذلك كله من الاستعداد بالمعرفة , والاستعداد بالتجرد , والاستعداد بالتنظيم , والتزام الطاعة والاتباع بعد هذا كله , والتوكل على الله وحده , في كل خطوة من خطوات الطريق , ورد الأمر إلى الله وحده في النصر والهزيمة , وفي الموت والحياة , وفي كل أمر وفي كل اتجاه
وكانت هذه الحصيلة الضخمة التي استقرت في الجماعة المسلمة من وراء الأحداث , ومن وراء التوجيهات القرآنية بعد الأحداث , أكبر وأخطر - بما لا يقاس - من حصيلة النصر والغنيمة . . لو عاد المسلمون من الغزوة بالنصر والغنيمة . . وقد كانت الجماعة المسلمة إذ ذاك أحوج ما تكون لهذه الحصيلة الضخمة . . كانت أحوج إليها ألف مرة من حصيلة النصر والغنيمة . وكان الرصيد الباقي منها للأمة المسلمة في كل جيل أهم وأبقى كذلك من حصيلة النصر والغنيمة . وكان تدبير الله العلوي من وراء ما بدا في الموقعة من ظواهر النقص والضعف والتميع والغبش في الصف المسلم , ومن وراء الهزيمة التي نشأت عن هذه الظواهر . . كان تدبير الله العلوي من وراء هذا الذي وقع وفق سنة الله الجارية , حسب أسبابه الطبيعية الظاهرة , تدبيرا كله الخير للجماعة المسلمة في ذلك الحين , لتنال هذه الحصيلة الضخمة من العبرة والتربية , والوعي والنضح , والتمحيص والتميز , والتنسيق والتنظيم . وليبقى للأمة المسلمة في أجيالها المتعاقبة هذا الرصيد من التجارب والحقائق والتوجيهات التي لا تقدر بثمن . ولو كان هذا الثمن هو النصر والغنيمة !