فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 2003

لقد انتهت المعركة في ميدان الأرض , ليبدأها القرآن في ميدانها الأكبر:ميدان النفس , وميدان الحياة الشاملة للجماعة المسلمة . وصنع بهذه الجماعة ما تصنعه يد الله , عن علم وعن حكمة , وعن خبرة , وعن بصيرة . وكان ما شاءه الله وما دبره . وكان فيه الخير العظيم , من وراء الضر والأذى والابتلاء الشاق المرير .

ولعل مما يلفت النظر في التعقيب القرآني على أحداث المعركة هو ذلك الازدواج العجيب بين استعراض مشاهدها ووقائعها , والتوجيهات المباشرة على هذه المشاهد والوقائع . . وبين التوجيهات الأخرى المتعلقة بتصفية النفوس , وتخليصها من غبش التصور , وتحريرها من ربقة الشهوات , وثقلة المطامع , وظلام الأحقاد , وظلمة الخطيئة , وضعف الحرص والشح . والرغبات الدفينة .

ولعل مما يلفت النظر أكثر , الكلام - في صدد التعقيب على معركة حربية - عن الربا والنهي عنه , وعن الشورى والأخذ بها , على الرغم مما كان للشورى من معقبات ظاهرية في النتائح السيئة للمعركة !

ثم . . سعة المساحة التي يعمل فيها المنهج القرآني في النفس البشرية , وفي الحياة الإنسانية , وتعدد نقط الحركة فيها , وتداخلها , وتكاملها العجيب . .

ولكن الذين يدركون طبيعة هذا المنهج الرباني لا يعجبون لشيء من ذلك الازدواج وهذه السعة , وهذا التداخل , وهذا التكامل . فالمعركة الحربية في الحركة الإسلامية ليست معركة أسلحة وخيل ورجال وعدة وعتاد , وتدبير حربي فحسب . . فهذه المعركة الجزئية ليست منعزلة عن المعركة الكبرى في عالم الضمير , وعالم التنظيم الاجتماعي للجماعة المسلمة . . إنها ذات ارتباط وثيق بصفاء ذلك الضمير , وخلوصه , وتجرده , وتحرره من الأوهاق والقيود التي تطمس على شفافيته , وتقعد به دون الفرار إلى الله ! وكذلك هي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع التنظيمية التي تقوم عليها حياة الجماعة المسلمة , وفق منهج الله القويم . المنهج الذي يقوم على الشورى في الحياة كلها - لا في نظام الحكم وحده - وعلى النظام التعاوني لا النظام الربوي . والتعاون والربا لا يجتمعان في نظام !

والقرآن كان يعالج الجماعة المسلمة , على إثر معركة لم تكن - كما قلنا - معركة في ميدان القتال وحده . إنما كانت معركة في الميدان الأكبر . ميدان النفس البشرية , وميدان الحياة الواقعية . . ومن ثم عرج على الربا فنهى عنه ; وعرج على الإنفاق في السراء والضراء فحض عليه ; وعرج على طاعة الله ورسوله فجعلها مناط الرحمة ; وعرج على كظم الغيظ والعفو عن الناس , وعلى الإحسان والتطهر من الخطيئة بالاستغفار , والتوبة وعدم الإصرار ; فجعلها كلها مناط الرضوان . كما عرج على رحمة الله المتمثلة في رحمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولين قلبه للناس . وعلى مبدأ الشورى وتقريره في أحرج الأوقات . وعلى الأمانة التي تمنع الغلول . وعلى البذل والتحذير من البخل في نهاية ما نزل في التعقيب على الغزوة من آيات . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت