فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 2003

وتعقيبًا على هذا البيان الحاسم الجازم ، يتحدث عن اليقين ، وعما في هذا القول وأمثاله في القرآن من تبصرة وهدى ورحمة لأهل اليقين: { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } . .ووصف القرآن بأنه بصائر للناس يعمق معنى الهداية فيه والإنارة . فهو بذاته بصائر كاشفة كما أن البصائر تكشف لأصحابها عن الأمور . وهو بذاته هدى . وهو بذاته رحمة . . ولكن هذا كله يتوقف على اليقين . يتوقف على الثقة التي لا يخامرها شك ، ولا يخالطها قلق ، ولا تتسرب إليها ريبة .وحين يستيقن القلب ويستوثق يعرف طريقه ، فلا يتلجلج ولا يتعلثم ولا يحيد . وعندئذ يبدو له الطريق واضحًا ، والأفق منيرًا ، والغاية محددة ، والنهج مستقيمًا ، وعندئذ يصبح هذا القرآن له نورًا وهدى ورحمة بهذا اليقين .

ــــــــــــــــــــ

65-تطبيقُ حدود الله تعالى :

قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) } سورة البقرة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ قَدْ فَرَضَ ( كَتَبَ ) عَلَيْهِمُ العّدْلَ وَالمُسَاوَاةِ فِي القِصَاصِ ، فَالحُرُّ يُقْتَلُ بِالحُرِّ ، إِذا كَانَ القّتْلُ عَمْدًا ، وَالعَبْدُ يُقْتَلُ بِالعَبْدِ ، وَالأُنْثَى تُقْتَلُ بِالأُنْثَى ( وَقَدْ جَرَى العَمَلُ مِنْ لَدُنِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأَةِ ، وَالحُرِّ بِالعَبْدِ إِنْ لَمْ يَكُنِ القَاتِلُ سَيِّدَ العَبْدِ ، فَإِذا كَانَ سَيِّدَهُ عُزِّرَ بِشِدَّةٍ ) ، وَأَمَرَهُمُ اللهُ بِأَلاَّ يَعْتَدُوا وَلا يَتَجَاوَزُوا ، كَمَا اعْتَدَى اليَهُودُ مِنْ قَبْلِهِمْ ، وَغَيَّرُوا حُكْمَ اللهِ ، فَكَانَتْ قَبِيلَةُ بَنِي قُرَيْظَة ضَعْيفةً ، وَقَبِيلَةَ بَنِي النَّضِيرِ قَوِيَّةً ، فَكَانًوا إِذَا قَتِلَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ أَحَدًا مَنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يَكُنْ يُقْتَلُ بِهِ بَلْ يُفَادَى ، وَإِذَا قَتَلَ القُرَظِيُّ نَضِيرِيًّا كَانَ يُقْتَلُ بِهِ ، وَإِذَا فَادَوْهُ كَانَ يُفَادَى بِمِثْلَيْ مَا يُفَادَى بِهِ النَّضِيْرِيُّ .

وَكَانَ حَيَّانِ مِنَ العَرَبِ قَدْ اقْتَتَلا فِي الجَاهِليَّةِ قُبَيْلَ الإِسْلامِ ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى وَجِرَاحَاتٌ حَتَّى قَتَلُوا العَبيدَ والنِّسَاءَ ، فَكَانَ أَحَدُ الحَيَّينِ لاَ يَرْضَى حَتَّى يَقْتُلَ بِالعَبْدِ مِنهُ الحُرَّ مِنْ خُصُومِهِ ، وَبِالمَرْأَةِ مِنْهُ الرَّجلَ . وَكَانَ هؤُلاءِ لاَ يَقْتُلونَ الرَّجُلَ الذِي يَقْتُلُ المَرْأَةَ عَمْدًا ، وَلكِنْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ ، وَالمَرْأَةَ بِالمَرْأَةِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنُ بِالعَيْنِ مُبْطِلًا ذلِكَ التَّعَامُلَ ، فَإِذا قَبِلَ وَلِيُّ الدَّمِ أَنْ يَأَخُذَ الدِّيَةَ ، وَيُعْفُو عَنِ القَاتِلِ ، فَعَليهِ أَنْ يَتَّبعَ ذلِكَ بِالمَعْرُوفِ ، وَأَنْ يَطْلُبَ الدِّيَةَ بِرِفْقٍ ، وَأَنْ لاَ يُرْهِقَ القَاتِلَ مِنْ أَمْرِهِ عُسْرًا . وَعَلَى القَاتِلِ أَنْ يُؤَدِّيَ المَطْلُوبَ مِنْهُ بإِحسَانٍ ، وَأَنْ لا يَمْطُلَ وَلاَ يَنْقُصَ ، وَلا يُسيء فِي كَيْفيَّةِ الأَدَاءِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت