وهذا هو الأفق الذي أراد الله أن يرفع المسلمين إليه ; وهو يرسم لهم هذه الصورة المنفرة لذلك الفريق (منهم) وهو يكشف لهم عن المندسين في الصف من المعوقين , ليأخذوا منهم حذرهم ; كما يأخذون حذرهم من أعدائهم !
ومن وراء التحذير والاستنهاض للجماعة المسلمة في ذلك الزمان , يرتسم نموذج إنساني متكرر في بني الإنسان , في كل زمان ومكان , في هذه الكلمات المعدودة من كلمات القرآن !
ثم تبقى هذه الحقيقة تتملاها الجماعة المسلمة أبدا . وهي أن الصف قد يوجد فيه أمثال هؤلاء . فلا ييئس من نفسه . ولكن يأخذ حذره ويمضي . ويحاول بالتربية والتوجيه والجهد , أن يكمل النقص , ويعالج الضعف , وينسق الخطى والمشاعر والحركات !
ــــــــــــــــــــ
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ (58) سورة المائدة
يُنَفِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ مُوَالاَةِ أَعْدَاءِ الإِسْلاَمِ ، مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَمِنَ المُشْرِكِينَ ، الذِينَ يَتَّخِذُونَ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ المُطَهَّرَةَ ، هُزْوًا يَسْتَهْزِئُونَ بِهَا ، وَيَعدُّونَهَا نَوْعًا مِنَ اللَّعِبِ ، وَيَتَمَنَّوْنَ زَوَالَ الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ ، وَيَأمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ ، وَبِألاَّ يَتَّخِذُوا هَؤُلاءِ الأَعْدَاءِ أَوْلِيَاءَ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِشَرْعِ اللهِ حَقًّا وَصِدْقًا .
وَهَؤُلاَءِ الأَعْدَاءِ يَسْخَرُونَ مِنَ الأذَانِ ، وَمِنَ الصَّلاَةِ ، وَمِنَ العِبَادَةِ ، وَيَتَّخِذُونَهَا هُزُوًا وَلَعِبًا وَسُخْرِيَةً ، لأنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ مَعْنَى العِبَادَةِ ، وَلاَ مَعْنَى شَرْعِ اللهِ ، وَالصَّلاَةُ أَكْرَمُ شَيءٍ وَأَفْضَلُهُ لِمَنْ يَعْقِلُ وَيَعْلَمُ .
وبعد فلقد سلك المنهج القرآني في هذا السياق طرقا منوعة , لنهي الذين آمنوا عن تولي المخالفين لهم في عقيدتهم من أهل الكتاب والمشركين , ولتقرير هذه القاعدة الإيمانية في ضمائرهم وإحساسهم وعقولهم . مما يدل على أهمية هذه القاعدة في التصور الإسلامي ; وفي الحركة الإسلامية على السواء .
وقد رأينا من قبل أنه سلك في النداء الأول طريق النهي المباشر , وطريق التخويف من أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده , فينكشف ستر المنافقين . .
وسلك في النداء الثاني طريق التحذير من الردة بموالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين ; وطريق التحبيب في أن يكونوا من العصبة المختارة . ممن يحبهم الله ويحبونه ; وطريق الوعد بالنصر لحزب الله الغالب .