إنهم لا يخجلون - وهم يعدون هذه النجاة مع التخلف نعمة - أن ينسبوها لله . الله الذي خالفوا عن أمره فقعدوا !
والنجاة في هذه الملابسة لا تكون من نعمة الله أبدا . فنعمة الله لا تنال بالمخالفة . ولو كان ظاهرها نجاة !
إنها نعمة ! ولكن عند الذين لا يتعاملون مع الله . عند من لا يدركون لماذا خلقهم الله . ولا يعبدون الله بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة . نعمة عند من لا يتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطى ء الأقدام في هذه الأرض . . كالنمال . .
نعمة عند من لا يحسون أن البلاء - في سبيل الله وفي الجهاد لتحقيق منهج الله وإعلاء كلمة الله - هو فضل واختيار من الله , يختص به من يشاء من عباده ; ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري , ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة , يملكونها ولا تملكهم . وليؤهلهم بهذا الانطلاق وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة . . في منازل الشهداء . .
إن الناس كلهم يموتون ! ولكن الشهداء - في سبيل الله - هم وحدهم الذين"يستشهدون". . وهذا فضل من الله عظيم .
فأما إذا كانت الأخرى . .
فانتصر المجاهدون ; الذين خرجوا مستعدين لقبول كل ما يأتيهم به الله . . ونالهم فضل من الله بالنصر والغنيمة . .
ندم المتخلفون أن لم يكونوا شركاء في معركة رابحة ! رابحة بحسب مفهومهم القريب الصغير للربح والخسارة ! (ولئن أصابكم فضل من الله , ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيمًا) .
إنها أمنية الفوز الصغير بالغنيمة والإياب , هي التي يقولون عنها: (فوزا عظيمًا) والمؤمن لا يكره الفوز بالإياب والغنيمة ; بل مطلوب منه أن يرجوه من الله . والمؤمن لا يتمنى وقوع البلاء بل مطلوب منه أن يسأل الله العافية . .
ولكن التصور الكلي للمؤمن غير هذا التصور , الذي يرسمه التعبير القرآني لهذه الفئة رسما مستنكرا منفرا . .
إن المؤمن لا يتمنى البلاء بل يسأل الله العافية . ولكنه إذا ندب للجهاد خرج - غير متثاقل - خرج يسأل الله إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة . .
وكلاهما فضل من الله ; وكلهما فوز عظيم . فيقسم له الله الشهادة , فإذا هو راض بما قسم الله ; أو فرح بمقام الشهادة عند الله . ويقسم له الله الغنيمة والإياب , فيشكر الله على فضله , ويفرح بنصر الله . لا لمجرد النجاة !