يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ سَيَسْأَلُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَّا أَجَابُوا بِهِ رُسُلَهُمْ فِيمَا أَرْسَلَهُمُ اللهُ بِهِ إِلَيْهِم ، وَسَيَسْأَلُ الرُّسُلَ أَيْضًا عَمَّا بَلَّغُوهُ إلَى الأُمَمِ مِنْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ ، وَعَمَّا أَجَابَهُمْ بِهِ أَقْوَامُهُمْ .
وَسَيَقُصُّ اللهُ تَعَالَى ، فِي ذَلِكَ اليَوْمِ ، عَلَى الرُّسُلِ ، وَعَلَى أَقْوَامِهِمْ الذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِم ، كُلَّ مَا وَقَعَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ، قَصَصًا بِعِلْمٍ مِنْهُ مُحِيطٍ بِكُلِّ شَيءٍ كَانَ مِنْهُمْ ، وَمَا كَانَ اللهُ غَائِبًا عَنْهُمْ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ ، وَلاَ فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ ، بِلْ كَانَ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ ، وَيُبْصِرُ مَا يَعْمَلُونَ ، وَيُحِيطُ بِمَا يُسِرُّونَ وَيُعْلِنُونَ .وَاللهُ تَعَالَى يَزِنُ أَعْمَالِ العِبَادِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَيُقَدِّرُهَا بِعَدْلٍ تَامٍّ ( بِالحَقِّ ) ، فَلا يَظْلِمُ أَحَدًا شَيْئًا ، فَالذِينَ تَرْجَحُ مَوَازِينُ أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ وَحَسَنَاتُهُمْ ( ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُمْ ) فَأُولئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ بِالنَّجَاةِ مِنَ العَذَابِ ( المُفْلِحُونَ )
أَمَّا الذِينَ خَفَّتْ موازينُ أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ ، وَرَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ، وَكَيثْرَةِ مَا اجْتَرَحُوهُ مِنَ السَّيِّئاتِ ، فَهؤُلاءِ يَكُونُونَ قَدْ خِسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لأَنَّهُمْ حَرَمُوهَا السَّعَادَةَ التِي كَانَتْ مُسْتَعِدَّةً لَهَا لَوْ لمْ يُفْسِدُوا فِطْرَتَهَا .وَالمُؤْمِنُونَ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ فِ الأَعْمَالِ ، هُمُ المُفْلِحُونَ ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَهُوَ مُفْلِحٌ ، وَإِنْ عُذِّبَ عَلَى بَعْضِ ذُنُوبِهِ بِمِقْدَارِهَا ، وَإِنَّ الكَافِرِينَ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَكَاتِهِمْ هُمْ فِي خُسْرَانٍ عَظِيمٍ . يَمْتَنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِأَنْ جَعَلَ لَهُمْ الأَرْضَ قَرارًا يَعِيشُونَ وَيَسْتَقِرُّونَ عَلَيها ، وَجَعَلَ فِيها جِبَالًا رَاسِياتٍ تَسَهِّلُ اسْتِقْرارَ النَّاسِ عَلَيهَا ، فَلا تَمِيدُ بِهِمْ ، وَجَعَلَ فِيها أَنْهَارًا ، وَأَبَاحَ للنَّاسِ التَّمَتُّعَ بِمَنَافِعِها ، وَسَخَّرَ الرِّياحَ لإِخْرَاجِ أَرْزَاقِهِمْ مِنْهَا ، وَجَعَلَ لِلنَّاسِ مَا يَيَسَبَّبُونَ بِهِ وَيَتَكَسَّبُونَ ( مَعَايِشَ ) ، وَلِكنَّ النَّاسَ ، مَعَ جَميعِ هذِهِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ، قَلِيلٌ مِنْهُمُ الشَّكُورُ ، وَاللهُ تَعَالَى سَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى كُفْرَانِهِمْ بِالنِّعَمِ حِسَابًا عَسِيرًا .
ــــــــــــــــــــ
قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (90) سورة النحل
إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُ فِي كِتَابِهِ الذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالعَدْلِ وَالإِنْصَافِ ، وَيَنْدُبُ إِلَى الإِحْسَانِ وَالفَضْلِ ، وَيَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحْمِ وَإِعْطَاءِ ذَوِي القُرْبَى مَا هُمْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ ، وَيَنْهَى عَنِ ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ وَالمُنْكَرَاتِ وَالفَوَاحِشِ ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، مِمَّا يَأْتِيهِ العَبْدُ سِرًّا وَخِفْيَةً وَاللهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالخَيْرِ ، وَيَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَالشَّرِّ ، لَعَلَّكُمْ تَتَذَكَّرُونَ مَا أَوْدَعَهُ اللهُ فِي الفِطْرَةِ مِنْ وَحْيٍ قَوِيمٍ أَصِيلٍ ، فَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ ..
لقد جاء هذا الكتاب لينشئ أمة وينظم مجتمعًا ، ثم لينشئ عالمًا ويقيم نظامًا . جاء دعوة عالمية إنسانية لا تعصب فيها لقبيلة أو أمة أو جنس؛ إنما العقيدة وحدها هي الآصرة والرابطة والقومية والعصبية .