فهرس الكتاب

الصفحة 1384 من 2003

ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه.

فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم { مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ } أي: الفقر { وَالضَّرَّاءُ } أي: الأمراض في أبدانهم { وَزُلْزِلُوا } بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به.

ولكن لشدة الأمر وضيقه قال { الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ } .

فلما كان الفرج عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع، قال تعالى: { أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن.

فكلما اشتدت عليه وصعبت، إذا صابر وثابر على ما هو عليه انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقات راحات، وأعقبه ذلك، الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء، وهذه الآية نظير قوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } )) اهـ

فهل يعي المسلمون اليوم الدرس ويصابروا عدوهم ويواجهوا يأسهم ، ويمتثلوا أمر الله لنبيه ومن معه بالصبر وانتظار أحسن العواقب حيث يقول عزَّ من قائلٍ عليمًا وآمرٍ حكيمًا ? تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ? [ هود 49] .

ما أجملها من وقفات إيمانية مع آية واحدة من كتاب الله فحسب ، فكيف بمن تدبر كل آيات النصر في كتابه ، لامتلأ من الثقة ، وحُسْنَ الظنِّ بالله ما يجعله يسير إلى الله لا يلوي على شئ ، المكاره عنده أمارة صدق النية ، وعلامة صحة الطريق على حدِّ قول أحد السلف رحمة الله عليه حين قال (( لو لم نُبْتلى لشكَكْنا في الطريق ) )وليس قصده تمني الفتنة ، ولا التعرض لها ولكن تسلية لنفسه عند نزول البلاء ، وحلول المصائب.

هذا ما تيسر إيراده ، ونتمنى من الله العلي القدير أن ييسر لنا الوقوف مع آية نصر ثانية في اللقاء القادم إن شاء الله والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

حرر في 14/11/1429هـ بمدينة الرياض

ــــــــــ ــــــــــ

د. وائل محي الدين الزرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت