فهرس الكتاب

الصفحة 1385 من 2003

تتابع الأحداث المؤلمة على الأمة المسلمة اليوم, ويزداد المؤمنون الذين يسألون عن نصر الله متى هو؟ يستعجلون النصر القادم, ويستقدمون الفجر الآتي, وما ذاك إلا لكثرة الهموم والمصائب المتلاحقة على بلاد العرب والمسلمين, وقديمًا قالوا:

ولو أنَّ الهُمومَ هَم وَاحد *** لاتقيتُهُ ولكنَّهُ, همٌّ وثَانٍ وثَالِثٌ

والإنسان بطبعه عجول كما وصفه الله تعالى في القرآن [خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ] وقال [وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولًا] وهذه العجلة كانت قد لازمت الصحابةَ رضي الله عنهم, فيوم أن كَثُرَ البلاء عليهم جاءوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم, يشكون إليه ما وقع بهم من ظلم وضيم على يد الظالمين في قريش, وكان صلى الله عليه وسلم مُتَوَسِّدًا بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ, فقَالَ:"وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ, حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ, وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ".

ثم من هذا الذي لا يحب أن يرى نصر الله الآن, بل من هذا الذي لا يحب أن يرى الأمةَ عزيزة كريمة في كل مكان, ويرى آمالَ الأمة قد تحققت في كل شؤونها وعلى كل الأصعدة وفي كل ميدان, فكم من مظلوم مقهور ينتظر الفرج, وكم من امرأة تنتظر بفارغ الصبر أن يخرج إليها زوجُها من سجون الظلمة, وكم من مسلم يتوق لتحكيم شرع الله في الأرض لتسود المحبة والعدالة, وكم وكم فقائمة الظلم الممارس على أبناء الأمة كثيرة وكثيرة جدًا.

ولكن:

الدنيا لا تسير وفق مراد البشر, بل إن الله تعالى جعل لكل شيء أجلًا مسمىً [وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا] فالله لا يعجل بعجلة عباده, ولا يتم مراد العباد حتي يقضي الله أمرًا كان مفعولًا, فيا من تظن أن النصر قد تأخر, اعلم أن الأدب مع الله يقتضي عدم استعجاله، وأن حكمة الله البالغة اقتضت أن يختبر أحبابه وأصفياءه, وأن النصر يأتي في وقت يعلم الله فيه أن خيرَ المؤمنين أصبح في النصر...

والسؤال عن اقتراب النصر ليس بدعًا من القول, فقد سأل ذلك من سبقنا من الصالحين والأولياء وذكر الله ذلك في القرآن الكريم [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ] .

يعلق سيد قطب رحمه الله فيقول: إن سؤالهم مَتَى نَصْرُ اللهِ ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة, ولن تكون إلا محنة فوق الوصف, تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب, فتبعث منها ذلك السؤال المكروب مَتَى نَصْرُ اللهِ؟ وعندما تثبت القلوب المؤمنة على مثل هذه المحنة المزلزلة, عندئذ تتم كلمة الله, ويجيء النصر من الله تعالى أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ, إذًا هو مدخر لمن يستحقونه,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت