فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 2003

* سنة الله في الابتلاء والتمحيص والتداول :

إن انتصار المشركين في هذه المعركة ليس هو السنة الثابتة , إنما هو حادث عابر , وراءه حكمة خاصة . . ثم يدعوهم إلى الصبر والاستعلاء بالإيمان . فإن يكن أصابتهم جراح وآلام فقد أصاب المشركين مثلها في المعركة ذاتها . وإنما هنالك حكمة وراء ما وقع يكشف لهم عنها:حكمة تمييز الصفوف , وتمحيص القلوب , واتخاذ الشهداء الذين يموتون دون عقيدتهم ; ووقف المسلمين أمام الموت وجها لوجه وقد كانوا يتمنونه , ليزنوا وعودهم وأمانيهم بميزان واقعي ! ثم في النهاية محق الكافرين , بإعداد الجماعة المسلمة ذلك الإعداد المتين . . وإذن فهي الحكمة العليا من وراء الأحداث كلها سواء كانت هي النصر أو هي الهزيمة .

(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) [آل عمران/137-143] )

لقد أصاب المسلمين القرح في هذه الغزوة , وأصابهم القتل والهزيمة . أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير . قتل منهم سبعون صحابيا , وكسرت رباعية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشج وجهه , وأرهقه المشركون , وأثخن أصحابه بالجراح . . وكان من نتائج هذا كله هزة في النفوس , وصدمة لعلها لم تكن متوقعة بعد النصر العجيب في بدر , حتى لقال المسلمون حين أصابهم ما أصابهم: أنى هذا ? وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمون ?!

والقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض . يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور . فهم ليسوا بدعا في الحياة ; فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف , والأمور لا تمضي جزافا , إنما هي تتبع هذه النواميس , فإذا هم درسوها , وأدركوا مغازيها , تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث , وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع , واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث , وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام . واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق . ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين , لينالوا النصر والتمكين ; بدون الأخذ بأسباب النصر , وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول .

والسنن التي يشير إليها السياق هنا , ويوجه أبصارهم إليها هي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت