(أو يعذبهم فإنهم ظالمون) . . يعذبهم بنصر المسلمين عليهم . أو بأسرهم . أو بموتهم على الكفر الذي ينتهي بهم إلى العذاب . . جزاء لهم على ظلمهم بالكفر , وظلمهم بفتنة المسلمين , وظلمهم بالفساد في الأرض , وظلمهم بمقاومة الصلاح الذي يمثله منهج الإسلام للحياة وشريعته ونظامه . . إلى آخر صنوف الظلم الكامنة في الكفر والصد عن سبيل الله .
وعلى أية حال فهي حكمة الله , وليس لبشر منها شيء . . حتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرجه النص من مجال هذا الأمر , ليجرده لله وحده - سبحانه - فهو شأن الألوهية المتفردة بلا شريك .
بذلك ينسلخ المسلمون بأشخاصهم من هذا النصر:من أسبابه ومن نتائجه ! وبذلك يطامنون من الكبر الذي يثيره النصر في نفوس المنتصرين , ومن البطر والعجب والزهو الذي تنتفخ به أرواحهم وأوداجهم ! وبذلك يشعرون أن ليس لهم من الأمر شيء , إنما الأمر كله لله أولا وأخيرا .
وبذلك يرد أمر الناس - طائعهم وعاصيهم - إلى الله . فهذا الشأن شأن الله وحده - سبحانه . شأن هذه الدعوة وشأن هؤلاء الناس معها:طائعهم وعاصيهم سواء . . وليس للنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس للمؤمننين معه إلا أن يؤدوا دورهم , ثم ينفضوا أيديهم من النتائج , وأجرهم من الله على الوفاء , وعلى الولاء , وعلى الأداء .
وملابسة أخرى في السياق اقتضت هذا التنصيص: (ليس لك من الأمر شيء) فسيرد في السياق قول بعضهم: (هل لنا من الأمر من شيء ?) . . وقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا . . . ليقول لهم:إن أحدا ليس له من الأمر من شيء . لا في نصر ولا في هزيمة . إنما الطاعة والوفاء والأداء هي المطلوبة من الناس . وأما الأمر بعد ذلك فكله لله . ليس لأحد منه شيء . ولا حتى لرسول الله . . فهي الحقيقة الأصيلة في التصور الإسلامي . وإقرارها في النفوس أكبر من الأشخاص وأكبر من الأحداث , وأكبر من شتى الاعتبارات . .
ويختم هذا التذكير ببدر , وهذا التقرير للحقائق الأصيلة في التصور , بالحقيقة الشاملة التي ترجع إليها حقيقة أن أمر النصر والهزيمة مرده إلى حكمة الله وقدره . . يختم هذا التقرير بتقرير أصله الكبير:وهو أن الأمر لله في الكون كله , ومن ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وفق ما يشاء:
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . .
فهي المشيئة المطلقة , المستندة إلى الملكية المطلقة . وهو التصرف المطلق في شأن العباد , بحكم هذه الملكية لما في السماوات وما في الأرض . وليس هنالك ظلم ولا محاباة للعباد , في المغفرة أو في العذاب . إنما يقضي الأمر في هذا الشأن بالحكمة والعدل , وبالرحمة والمغفرة . فشأنه - سبحانه - الرحمة والمغفرة: (والله غفور رحيم) . .
والباب مفتوح أمام العباد لينالوا مغفرته ورحمته , بالعودة إليه , ورد الأمر كله له , وأداء الواجب المفروض , وترك ما وراء ذلك لحكمته وقدره ومشيئته المطلقة من وراء الوسائل والأسباب .
ــــــــــــــ