فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 2003

المباشرة بين العبد والرب . بين قلب المؤمن وقدر الله . بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائل ولا وسائط . كما هي في عالم الحقيقة . .

وبمثل هذه التوجيهات المكررة في القرآن , المؤكدة بشتى أساليب التوكيد , استقرت هذه الحقيقة في أخلاد المسلمين , على نحو بديع , هادئ , عميق , مستنير .

عرفوا أن الله هو الفاعل - وحده - وعرفوا كذلك أنهم مأمورون من قبل الله باتخاذ الوسائل والأسباب , وبذل الجهد , والوفاء بالتكاليف . . فاستيقنوا الحقيقة , وأطاعوا الأمر , في توازن شعوري وحركي عجيب !

ولكن هذا إنما جاء مع الزمن , ومع الأحداث , ومع التربية بالأحداث , والتربية بالتعقيب على الأحداث . . كهذا التعقيب , ونظائره الكثيرة , في هذه السورة . .

وفي هذه الآيات يستحضر مشهد بدر والرسول - صلى الله عليه وسلم - يعدهم الملائكة مددا من عند الله ; إذا هم استمسكوا بالصبر والتقوى والثبات في المعركة - حين يطلع المشركون عليهم من وجههم هذا . . ثم يخبرهم بحقيقة المصدر الفاعل - من وراء نزول الملائكة - وهو الله . الذي تتعلق الأمور كلها بإرادته , ويتحقق النصر بفعله وإذنه .

(الله العزيز الحكيم) . . فهو (العزيز) القوي ذو السلطان القادر على تحقيق النصر . وهو (الحكيم) الذي يجري قدره وفق حكمته , والذي يحقق هذا النصر ليحقق من ورائه حكمة . .

ثم يبين حكمة هذا النصر . . أي نصر . . وغاياته التي ليس لأحد من البشر منها شيء:

(لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ(127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) [آل عمران/127-128] ) . .

إن النصر من عند الله . لتحقيق قدر الله . وليس للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا للمجاهدين معه في النصر من غاية ذاتية ولا نصيب شخصي . كما أنه ليس له ولا لهم دخل في تحقيقه , وإن هم إلا ستار القدرة تحقق بهم ما تشاء ! فلا هم أسباب هذا النصر وصانعوه ; ولا هم أصحاب هذا النصر ومستغلوه ! إنما هو قدر الله يتحقق بحركة رجاله , وبالتأييد من عنده . لتحقيق حكمة الله من ورائه وقصده: (ليقطع طرفا من الذين كفروا) . .

فينقص من عددهم بالقتل , أو ينقص من أرضهم بالفتح , أو ينقص من سلطانهم بالقهر , أو ينقص من أموالهم بالغنيمة , أو ينقص من فاعليتهم في الأرض بالهزيمة !

(أو يكبتهم فينقلبوا خائبين) . . أي يصرفهم مهزومين أذلاء , فيعودوا خائبين مقهورين .

(أو يتوب عليهم) . .

فإن انتصار المسلمين قد يكون للكافرين عظة وعبرة , وقد يقودهم إلى الإيمان والتسليم , فيتوب الله عليهم من كفرهم , ويختم لهم بالإسلام والهداية . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت