أنهم مهاجرون مطاردون من مكة , وأنصار آووا هؤلاء المهاجرين ولكنهم ما يزالون نبته غير مستقرة في هذه البيئة !
فبهذا كله يذكرهم الله - سبحانه - ويرد ذلك النصر إلى سببه الأول في وسط هذه الظروف:
(ولقد نصركم الله ببدر . وأنتم أذلة . فاتقوا الله لعلكم تشكرون) . .
إن الله هو الذي نصرهم ; ونصرهم لحكمة نص عليها في مجموعة هذه الآيات . وهم لا ناصر لهم من أنفسهم ولا من سواهم . فإذا اتقوا وخافوا فليتقوا وليخافوا الله , الذي يملك النصر والهزيمة ; والذي يملك القوة وحده والسلطان . فلعل التقوى أن تقودهم إلى الشكر ; وأن تجعله شكرا وافيا لائقا بنعمة الله عليهم على كل حال .
هذه هي اللمسة الأولى في تذكيرهم بالنصر في بدر . . ثم يستحضر مشهدها ويستحيي صورتها في حسهم , كأنهم اللحظة فيها: (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ(124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) [آل عمران/124-126] ) . .
وكانت هذه كلمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر , للقلة المسلمة التي خرجت معه ; والتي رأت نفير المشركين , وهي خرجت لتلقى طائفة العير الموقرة بالمتاجر , لا لتلقى طائفة النفير الموقرة بالسلاح ! وقد أبلغهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما بلغه يومها ربه , لتثبيت قلوبهم وأقدامهم , وهم بشر يحتاجون إلى العون في صورة قريبة من مشاعرهم وتصوراتهم ومألوفاتهم . . وأبلغهم كذلك شرط هذا المدد . . إنه الصبر والتقوى ; الصبر على تلقي صدمة الهجوم , والتقوى التي تربط القلب بالله في النصر والهزيمة:
(بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) .
فالأن يعلمهم الله أن مرد الأمر كله إليه , وأن الفاعلية كلها منه - سبحانه - وأن نزول الملائكة ليس إلا بشرى لقلوبهم ; لتأنس بهذا وتستبشر , وتطمئن به وتثبت . أما النصر فمنه مباشرة , ومتعلق بقدره وإرادته بلا واسطة ولا سبب ولا وسيلة: (ما جعله الله إلا بشرى لكم , ولتطمئن قلوبكم به , وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) . .
وهكذا يحرص السياق القرآني على رد الأمر كله إلى الله , كي لا يعلق بتصور المسلم ما يشوب هذه القاعدة الأصيلة:قاعدة رد الأمر جملة إلى مشيئة الله الطليقة , وإرادته الفاعلة , وقدره المباشر . وتنحية الأسباب والوسائل عن أن تكون هي الفاعلة . وإنما هي أداة تحركها المشيئة . وتحقق بها ما تريده . (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) . .
وقد حرص القرآن الكريم على تقرير هذه القاعدة في التصور الإسلامي , وعلى تنقيتها من كل شائبة , وعلى تنحيه الأسباب الظاهرة والوسائل والأدوات عن أن تكون هي الفاعلة . . لتبقى الصلة