فبقاء دعوة الحق وانتشارها، ووجود من يحملها نصر لها وللداعي إليها، وإن كان قد مات أو قتل ذلك الداعي.وهذا نبي الله عيسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام-، قد أزمع اليهود قتله وباؤوا بإثم قتله وإن كانوا لم يقتلوه ـ وذلك لتمام تصميمهم على هذا الإثم ـ رفعه الله إليه وتوفاه وجعل الذين اتبعوه فوق من كفر بدعوته وتربص به ظاهرين عليهم إلى يوم القيامة، فلم يتخلف شيء مما وعد الله به الرسل من ظهور الدين وتمام النصر والانتصار لهم، لم يتخلف شيء من ذلك في دعوة عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. قال تعالى: { إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } (55) سورة آل عمران.
ــــــــــــــــــــ
هناك حقيقة أولية عن طبيعة هذا الدين، وطريقة عمله في حياة البشر... حقيقة أولية بسيطة... ولكنها مع بساطتها، كثيرًا ما تنسى، أو لا تدرك ابتداء. فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين: حقيقته الذاتية وواقعه التاريخي. حاضرة ومستقبله كذلك!.
إن البعض ينتظر من هذا الدين- ما دام منزلًا من عند الله- أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب! ودون أي اعتبار لطبيعة البشر، ولطاقاتهم الفطرية، ولواقعهم المادي، في أي مرحلة من مراحل نموهم، وفي أية بيئة من بيئاتهم.
وحين لا يرون أنه يعمل بهذه الطريقة، وحين يرون أن الطاقة البشرية المحدودة، والواقع المادي للحياة الإنسان ية ، يتفاعلان معه، فيتأثران به - في فترات - تأثرًا واضحًا، على حين أنهما في فترات أخرى يؤثران تأثيرًا مضادًا لاتجاهه، فتقعد بالناس شهواتهم وأطماعهم، وضعفهم ونقصهم، دون تلبية هتاف هذا الدين، أو الاتجاه معه في طريقه..
حين يرون هذا فإنهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها - ما دام هذا الدين منزلًا من عند الله - أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته. أو يصابون بالشك في الدين إطلاقًا!.
وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد أساسي: هو عدم إدراك هذا الدين وطريقته، أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة.
إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية. يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية؛ وفي حدود الواقع المادي حينما يتسلم مقاليدهم. ويسير بهمإلى نهاية الطريق في حدود طاقتهم البشرية، وبقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة.