فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 2003

* معالجة القرآن لأحداث الغزوة :

هذه بعض اللقطات من المعركة التي تجاور فيها النصر والهزيمة , لا تفرق بينهما إلا لحظة من الزمان , وإلا مخالفة عن الأمر , وإلا حركة من الهوى , وإلا لفتة من الشهوة ! والتي تجاورت فيها القيم العالية والسفوح الهابطة ! والنماذج الفريدة في تاريخ الإيمان والبطولة , وفي تاريخ النفاق والهزيمة !

وهي مجموعة تكشف عن حالة من عدم التناسق في الصف حينذاك , كما تكشف عن حالة من الغبش في تصورات بعض المسلمين . . وهذه وتلك أنشأت - وفق سنة الله وقدره - هذه النتائج التي ذاقها المسلمون ; وهذه التضحيات الجسام , التي تتراءى على قمتها تلك التي أصابت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتي لا شك أن الصحابة حين ذاك كانوا يحسونها بعمق وعنف , ويرونها أشد ما نالهم من الآلام . وقد دفعوا الثمن غاليا ليتلقوا الدرس عاليا , وليمحص الله القلوب ويميز الصفوف , وليعد الجماعة المسلمة للمهمة العظمى التي ناطها بها:مهمة القيادة الراشدة للبشرية , وإقرار منهج الله في الأرض في صورته المثالية الواقعية . .

فلننظر إذن كيف عالج القرآن الكريم الموقف بطريقة القرآن .

إن النص القرآني لا يتتبع أحداث المعركة للرواية والعرض ; ولكنه يتتبع دخائل النفوس وخوالج القلوب ; ويتخذ من الأحداث مادة تنبيه وتنوير وتوجيه . .

وهو لا يعرض الحوادث عرضا تاريخيا مسلسلا بقصد التسجيل ; إنما هو يعرضها للعبرة والتربية واستخلاص القيم الكامنة وراء الحوادث ; ورسم سمات النفوس , وخلجات القلوب , وتصوير الجو الذي صاحبها ; والسنن الكونية التي تحكمها ; والمبادىء الباقية التي تقررها . وبذلك تستحيل الحادثة محورا أو نقطة ارتكاز لثروة ضخمة من المشاعر والسمات , والنتائج والاستدلالات . يبدأ السياق منها ; ثم يستطرد حولها ; ثم يعود إليها ; ثم يجول في أعماق الضمائر , وفي أغوار الحياة ; ويكرر هذا مرة بعد مرة , حتى ينتهي برواية الحادث إلى نهايتها وقد ضم جناحيه على حفل من المعاني والدلائل والقيم والمبادىء , لم تكن رواية الحادث إلا وسيلة إليها , ونقطة ارتكاز تتجمع حواليها . وحتى يكون قد تناول ملابسات الحادث وعقابيله في الضمائر , فجلاها . ونقاها , وأراحها في مواضعها , فلا تجد النفس منها حيرة ولا قلقا , ولا تحس فيها لبسا ولا دخلا . .

وينظر الإنسان في رقعة المعركة , وما وقع فيها - على سعته وتنوعه - ثم ينظر إلى رقعه التعقيب القرآني , وما تناوله من جوانب ; فإذا هذه الرقعة أوسع من تلك , وأبقى على الزمن , وألصق بالقلوب , وأعمق في النفوس , وأقدر على تلبية حاجات النفس البشرية , وحاجات الجماعة الإسلامية , في كل موقف تتعرض له في هذا المجال , على تتابع الأجيال . فهي تتضمن الحقائق الباقية من وراء الأحداث الزائلة , والمبادىء المطلقة من وراء الحوادث المفردة , والقيم الأصيلة من وراء الظواهر العارضة , والرصيد الصالح للتزود بغض النظر عن اعتبارات الزمان والمكان . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت