فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 2003

قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) [آل عمران/152، 153] }

لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَالمُسْلِمُونَ إلَى المَدِينَةِ بَعْدَ مَعْرَكَةِ أحُدٍ قَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ: مِنْ أَيْنََ أَصَابَنَا هَذا وَقَدْ وَعَدَنَا اللهُ تَعَالَى النَّصْرَ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَفِيها يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: إِنَّهُ صَدَقَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ بِهِ مِنْ نَصْر ، فَكُنْتُمْ تَقْتُلُونَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا بِإذْنِ اللهِ ، وَسَلَّطَكُمْ عَلَيهِمْ ، حَتَّى إذَا أَصَابَكُمُ الضَّعْفُ وَالفَشَلُ ، وَعَصَيْتُمْ أمْرَ الرَّسُولِ ، وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ ، ( وَهُوَ مَا وَقَع لِلرُّمَاةِ الذِينَ أَمَرَهُمُ الرَّسُولُ أنْ يَلْزَمُوا مَوَاقِعَهُمْ فَتَخَلَّوا عَنْهَا ) ، وَكَانَ اللهُ قَدْ أَرَاكُمُ الظَّفَرَ ، وَهُوَ مَا تُحِبُّونَهُ ، فَكَانَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنيا ، وَيَطْمَعُ فِي المَغْنَمِ ، حِينَ رَأَوْا هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ ، فَتَرَكُوا مَوَاقِعَهُمْ عَلَى الجَبَلِ ، وَمِنْكُمْ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الآخِرَةَ فِي قِتَالِهِ المُشْرِكِينَ لاَ يَلْتَفِتُ إلَى المَغْنَمِ ، فَثَبَتَ مَكَانَهُ وَقَاتَلَ ، ثُمَّ أدَالَ اللهُ المُشْرِكِينَ عَلَيكُمْ ، وَجَعَلَ لَهُمُ الغَلَبَةَ عَلَيْكُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ ، وَيَمْتَحِنَ ثَبَاتَكُمْ عَلَى الإِيمَانِ ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكُمْ ذَلِكَ الفِعْلَ ، وَهُوَ عِصْيَانُ أَمْرِ الرَّسُولِ ، وَالهَرَبُ مِنَ المَعْرَكَةِ ، وَمَحَا أَثَرَهُ مِنْ نُفُوسِكُمْ ، حِينَمَا أَظْهَرْتُمُ النَّدَمَ ، وَرَجَعْتُمْ إلَى اللهِ ، حَتَّى صِرْتُمْ وَكَأَنَّكُمْ لَمْ تَفُشَلُوا . وَلَمْ يَسْمَحِ اللهُ باسْتِئْصَالِكُمْ لأَنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ .

فَقَدْ صَرَفَكُمُ اللهُ عَنِ المُشْرِكِينَ فَأخَذْتُمْ فِي الهَرَبِ مِنْ أَعْدَائِكُمْ فِي الجِبَالِ ، لاَ تَلْتَفِتُونَ إلَى أَحَدٍ مِنَ الدَهَشِ وَالخَوْفِ ، وَقَدْ خَلَّفْتُمُ الرَّسُولَ وَرَاءَكُمْ وَهُوَ يَدْعُوكُمْ إلَى العَوْدَةِ إلى القِتَالِ ، وَيَقُولُ: هَلُمَّ عِبَادَ اللهِ أنَا رَسُولُ اللهِ ، مَنْ يَكِرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ ، فَجَزَاكُمُ اللهُ - صلى الله عليه وسلم - لِفِرَارِكُمْ ، بِغَمٍّ يَمْلأُ نُفُوسَكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ ، وَعَلَى تَرْكِكُمْ رَسُولَ اللهِ يُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُ ، وَهُوَ ثَابِتٌ دُونَكُمْ ، وَذَلِكَ لِكَيْلاَ تَهْتَمُّوا وَتَحْفَلُوا بِشَيءٍ فَاتَكُمْ ، وَلا بِأَذًى أَصَابَكُمْ ، وَلِتَمْرُنُوا عَلَى تَجَرُّعِ الغُمُومِ ، وَاحْتِمَالِ الشَّدَائِدِ ، إذْ كَانَ مَا أَصَابَ النَّبِيِّ ، وَمَا لَحِقَ بِنُفُوسِكُمْ مِنَ النَّدَمَ ، وَهُوَ أَكْبَرُ عِنْدَكُمْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ: أَكْبَرُ مِنَ الجِرَاحِ وَالقَتْلِ وَضَيَاعِ المَغْنَمِ . وَاللهُ خَبِيرٌ بِأَعْمَالِكُمْ وَمَقَاصِدِكُمْ ، وَقَادِرٌ عَلَى مُجَازَاتِكُمْ عَلَيْهَا .

إن التعبير القرآني هنا ليرسم مشهدًا كاملًا لمسرح المعركة ولتداول النصر والهزيمة . مشهدًا لا يترك حركة في الميدان ولا خاطرة في النفوس ولا سمة في الوجوه ولا خالجة في الضمائر إلا ويثبتها . . وكأن العبارات شريط مصور يمر بالبصر ويحمل في كل حركة صورًا جديدة نابضة . وبخاصة حين يصور حركة الإصعاد في الجبل والهروب في دهش وذعر ودعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - للفارين المرتدين عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت