فهرس الكتاب
يَذُمُّ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الكِتَابِ الذِينَ ارْتَكَبُوا المَآثِمَ وَالمَحَارِمَ بِكُفْرِهُمْ بِاللهِ وَآيَاتِهِ ، وَقَتَلُوا الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ الذِينَ يَدُعُونَ إلى اللهِ وَإِلى اتِّبَاعِ الحَقِّ . وَالمَقْصُودُونَ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُمُ اليَهُودُ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، الذِينَ قَتَلُوا عَدَدًا مِن أنْبِياءِ اللهِ فِي يَومٍ وَاحِدٍ اسْتِكْبارًا ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ بِالذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ فِي الدُّنْيا ، وَبَشَّرَهُمْ بِعَذَابٍ أليمٍ مُهِينٍ فِي الآخِرةِ ، لأنَّ هَذَا هُوَ جَزَاءُ جُرْمِهِمْ وَصَنِيعِهِمْ .
قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ:"يَا أبَا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائيل ثَلاَثَةً وَأرْبَعينَ نَبِيًا أوَّلَ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ . فَقَامَ مِئَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ عُبَّادِ بَني إسْرَائيلَ فَأمَروا القَتَلَةَ بِالمَعْرُوفِ ، وَنَهَوْهُمْ عَنِ المُنْكَرِ ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِنْ أخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمْ الذِينَ ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ" ( أخْرَجَهُ ابْنُ أبي حَاتِمٍ ) .
وَيَقُولُ تَعَالَى إنَّ الذِينَ يَرْتَكِبُونَ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ يُهْلِكُ اللهُ أعْمَالَهُمْ وَيُبْطِلُها فِي الدُّنْيا ، فَلاَ يَنَالُونَ عَليها حَمْدًا ، وَلا ثَنَاءً مِنَ النَّاس . وَقَدْ لَعَنَهُمُ اللهُ ، وَهَتَكَ أسْتَارَهُمْ وَأبْدَى مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبَائِحِ أعْمَالِهِمْ ، عَلَى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ وَرُسُلِهِ . وَقَدْ أعَدَّ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ، العَذَابَ الألِيمَ وَالخُلُودَ فِي جَهَنَّمَ ، وَلَنْ يَجِدُوا لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنْ بَأسِ اللهِ .
فهذا هو المصير المحتوم: عذاب أليم لا يحدده بالدنيا أو بالآخرة . فهو متوقع هنا وهناك . وبطلان لأعمالهم في الدنيا والآخرة في تعبير مصور . فالحبوط هو انتفاخ الدابة التي ترعى نبتًا مسمومًا ، توطئة لهلاكها . . وهكذا أعمال هؤلاء قد تنتفخ وتتضخم في الأعين . ولكنه الانتفاخ المؤدي إلى البطلان والهلاك! حيث لا ينصرهم ناصر ولا يدفع عنهم حام!
وذكر الكفر بآيات الله مصحوبًا بقتل النبيين بغير حق - وما يمكن أن يقتل نبي ثم يكون هناك حق - وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس - أي الذين يأمرون باتباع منهج الله القائم بالقسط المحقق وحده للقسط . . ذكر هذه الصفات يوحي بأن التهديد كان موجهًا لليهود ، فهذه سمتهم في تاريخهم يعرفون بها متى ذكرت! ولكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام موجهًا للنصارى كذلك . فقد كانوا حتى ذلك التاريخ قتلوا الألوف من أصحاب المذاهب المخالفة لمذهب الدولة الرومانية المسيحية - بما فيهم من جاهروا بتوحيد الله تعالى وبشرية المسيح عليه السلام - وهؤلاء ممن يأمرون بالقسط . . كما أنه تهديد دائم لكل من يقع منه مثل هذا الصنيع البشع . . وكثير ما هم في كل زمان . .
ويحسن أن نتذكر دائمًا ماذا يعني القرآن بوصف { الذين يكفرون بآيات الله } . . فليس المقصود فقط من يعلن كلمة الكفر . إنما يدخل في مدلول هذا الوصف من لا يقر بوحدة الألوهية ، وقصر العبودية عليها . وهذا يتضمن بصراحة وحدة الجهة التي تصرّف حياة العباد بالتشريع والتوجيه والقيم والموازين . . فمن جعل لغير الله شيئًا من هذا ابتداء فهو مشرك به أو كافر بألوهيته . ولو قالها ألف مرة باللسان!
ــــــــــــــــــــ