لقد كان هناك قدر الله وراء أفعال البشر . فلما أن ضعفوا وتنازعوا وعصوا صرف الله قوتهم وبأسهم وانتباههم عن المشركين وصرف الرماة عن ثغرة الجبل وصرف المقاتلين عن الميدان فلاذوا بالفرار . . وقع كل هذا مرتبًا على ما صدر منهم ; ولكن مدبرًا من الله ليبتليهم . . ليبتليهم بالشدة والخوف والهزيمة والقتل والقرح ; وما يتكشف عنه هذا كله من كشف مكنونات القلوب ومن تمحيص النفوس وتمييز الصفوف - كما سيجيء . وهكذا تقع الأحداث مرتبة على أسبابها وهي في الوقت ذاته مدبرة بحسابها . بلا تعارض بين هذا وذاك . فلكل حادث سبب ووراء كل سبب تدبير . . من اللطيف الخبير . . { ولقد عفا عنكم } . .عفا عما وقع منكم من ضعف ومن نزاع ومن عصيان ; وعفا كذلك عما وقع منكم من فرار وانقلاب وارتداد . . عفا عنكم فضلًا منه ومنة وتجاوزًا عن ضعفكم البشري الذي لم تصاحبه نية سيئة ولا إصرار على الخطيئة . . عفا عنكم لأنكم تخطئون وتضعفون في دائرة الإيمان بالله والاستسلام له وتسليم قيادكم لمشيئته: { والله ذو فضل على المؤمنين } . .ومن فضله عليهم أن يعفو عنهم ما داموا سائرين على منهجه مقرين بعبوديتهم له ; لا يدعون من خصائص الألوهية شيئًا لأنفسهم ولا يتلقون نهجهم ولا شريعتهم ولا قيمهم ولا موازينهم إلا منه
.فإذا وقعت منهم الخطيئة وقعت عن ضعف وعجز أو عن طيش ودفعة . . فيتلقاهم عفو الله بعد الابتلاء والتمحيص والخلاص . .ويستحضر صورة الهزيمة حية متحركة: { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ، والرسول يدعوكم في أخراكم } . .كي يعمق وقع المشهد في حسهم ; ويثير الخجل والحياء من الفعل ومقدماته التي نشأ عنها من الضعف والتنازع والعصيان . . والعبارة ترسم صورة حركتهم الحسية وحركتهم النفسية في ألفاظ قلائل . . فهم مصعدون في الجبل هربًا في اضطراب ورعب ودهش لا يلتفت أحد منهم إلى أحد! ولا يجيب أحد منهم داعي أحد! والرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم ، ليطمئنهم على حياته بعد ما صاح صائح: إن محمدًا قد قتل فزلزل ذلك قلوبهم وأقدامهم . . إنه مشهد كامل في ألفاظ قلائل
وكانت النهاية أن يجزيهم الله على الغم الذي تركوه في نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفرارهم غمًا يملأ نفوسهم على ما كان منهم ، وعلى تركهم رسولهم الحبيب يصيبه ما أصابه - وهو ثابت دونهم وهم عنه فارون - ذلك كي لا يحفلوا شيئًا فاتهم ولا أذى أصابهم . فهذه التجربة التي مرت بهم وهذا الألم الذي أصاب نبيهم - وهو أشق عليهم من كل ما نزل بهم - وذلك الندم الذي ساور نفوسهم وذلك الغم الذي أصابهم . . كل ذلك سيصغر في نفوسهم كلّ ما يفوتهم من عرض وكل ما يصيبهم من مشقة: { فأثابكم غمًا بغم لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم } . .والله المطلع على الخفايا يعلم حقيقة أعمالكم ودوافع حركاتكم: { والله خبير بما تعملون } . .
ــــــــــــــــــــ