قال تعالى ذاما بني إسرائيل: *وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ* (161) *فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ* (162) سورة الأعراف
وَبَعْدَ أنْ أَسْكَنَهُمْ رَبُّهُمُ البَلَدَ الذِي دَخَلُوهُ بَعْدَ أَنِ انْتَصَرُوا عَلَى العَمَالِيقَ ، أَمَرَهُمْ رَبُّهُمْ بِشُكْرِهِ ، وَبِدُخُولِ البَابِ ( أَيْ بَابِ البَلَدِ ) سُجَّدًا شُكْرًا للهِ ، وَبِأَنْ يَقُولُوا: حِطَّةٌ - ( أَيْ اللَّهُمَّ حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا ) - لِيَسْتَجِيبَ اللهُ إلى دُعَائِهِمْ ، فَيَغْفِرَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ ، وَيَزِيدَ الحَسَنَاتِ لِمُحْسِنِهِمْ .
فَلَمْ يَدْخُلِ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بَابَ البَلَدِ سُجَّدًا خَاشِعِينَ كَمَا أَمَرَهُمْ رَبُّهُمْ ، بَلْ دَخَلُوهُ زَاحِفِينَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ ( أَيْ أَدْبَارِهِمْ ) ، وَبَدَّلُوا قَوْلَ اللهِ ، فَلَمْ يَقُولُوا ( حِطَّةٌ ) وَإِنَّمَا قَالُوا سَاخِرِينَ حِنْطَةٌ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَةِ اللهِ .
لقد عفا الله عنهم بعد اتخاذهم العجل ; وعفا عنهم بعد الرجفة على الجبل . ولقد أنعم عليهم بكل تلك النعم . . ثم ها هم أولاء تلتوي بهم طبيعتهم عن استقامة الطريق ! ها هم أولاء يعصون الأمر , ويبدلون القول !
ها هم أولاء يؤمرون بدخول قرية بعينها - أي مدينة كبيرة - لا يعين القرآن اسمها - لأنه لايزيد في مغزى القصة شيئًا - وتباح لهم خيراتها جميعًا , على أن يقولوا دعاء بعينه وهم يدخلونها ; وعلى أن يدخلوا بابها سجدًا , إعلان للخضوع لله في ساعة النصر والاستعلاء - وذلك كما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة في عام الفتح ساجدًا على ظهر دابته - وفي مقابل طاعة الأمر يعدهم الله أن يغفر لهم خطيئاتهم وأن يزيد للمحسنين في حسناتهم . .
فإذا فريق منهم يبدلون صيغة الدعاء التي أمروا بها , ويبدلون الهيئة التي كلفوا أن يدخلوا عليها . .
لماذا ? تلبية للانحراف الذي يلوي نفوسهم عن الاستقامة: (فبدل الذين ظلموا منهم قولًا غير الذي قيل لهم) . .
عندئذ يرسل الله عليهم من السماء عذابًا . . السماء التي تنزل عليهم منها المن والسلوى وظللهم فيها الغمام ! . .
(فأرسلنا عليهم رجزًا من السماء بما كانوا يظلمون) . .
وهكذا كان ظلم فريق منهم - أي كفرهم - ظلمًا لأنفسهم بما أصابهم من عذاب الله . .
ولا يفصل القرآن نوع العذاب الذي أصابهم في هذه المرة . لأن غرض القصة يتم بدون تعيينه . فالغرض هو بيان عاقبة المعصية عن أمر الله , وتحقيق النذر , ووقوع الجزاء العادل الذي لا يفلت منه العصاة . . وحتى يتعرض في هذه المجاهدة للابتلاء والصبر على الجهد والصبر على الأذى والصبر على الهزيمة والصبر على النصر أيضًا - فالصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة - وحتى يتمحص