القلب ويتميز الصف وتستقيم الجماعة على الطريق وتمضي فيه راشدة صاعدة متوكلة على الله .حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان . لأنه يجاهد نفسه أولًا في أثناء مجاهدته للناس; وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبدًا وهو قاعد آمن سالم; وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبدًا بغير هذه الوسيلة; ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته وبعاداته وطباعه وبانفعالاته واستجاباته ما لم يكن ليبلغه أبدًا بدون هذه التجربة الشاقة المريرة .
وحقيقة الإيمان لا يتم تمامها في جماعة حتى تتعرض للتجربة والامتحان والابتلاء وحتى يتعرف كل فرد فيها على حقيقة طاقته وعلى حقيقة غايته; ثم تتعرف هي على حقيقة اللبنات التي تتألف منها مدى احتمال كل لبنة ثم مدى تماسك هذه اللبنات في ساعة الصدام .
وقال تعالى: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) } [إبراهيم: 6 - 8]
وَاذْكُرُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ آذَنَكُمْ رَبُّكُمْ ، وَأَعْلَمَكُمْ بِوَعْدِهِ ، فَقَالَ: لَئْنِ شَكَرْتُمْ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ مِنْهَا ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ النِّعَمَ وَسَتَرْتُمُوهَا وَجَحَدْتُمُوهَا ، لأُعَاقِبَنَّكُمْ عِقَابًا شَدِيدًا عَلَى كًفْرِهَا ، وَلأَسْلُبَنَّكُمْ إِيَّاهَا .
( وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ المَعْنَى لِعِبَارَةِ:"وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ"هُوَ: وَإِذْ أَقْسَمَ رَبُّكُمْ بِعِزَّتِهِ وَجَلاَلِهِ وَكِبْرِيَائِهِ ) .
وَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ حِينَمَا عَانَدُوا وَجَحَدُوا: إِنْ كَفَرْتُمْ نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُمْ ، أَنْتُمْ وَجَمِيعُ مَنْ فِي الأَرْضِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا ، وَإنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ عِبَادِهِ لَهُ ، وَهُوَ الحَمِيدُ المَحْمُودُ ، وَإِنْ كَفَرَهُ مَنْ كَفَرَهُ ، وَإِنَّكُمْ لاَ تَضُرُّونَ ، بِالكُفْرِ وَالجُحُودِ ، إِلاَّ أَنْفُسَكُمْ لأَنَّكُمْ تَحْرِمُونَهَا بِذَلِكَ مِنْ مَزِيدٍ مِنَ الإِنْعَامِ ، وَتُعَرِّضُونَهَا لِعَذابِ اللهِ .
قَصَّ اللهُ تَعَالَى خَبَرَ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ، وَالأُمَمِ الأُخْرَى المُكَذِّبَةِ ، الذِينَ جَائَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالحُجَجِ ، وَالبَرَاهِينِ القَاطِعَةِ عَلَى وَحْدَانِيِّةِ اللهِ ، وَعَلَى تَصَرُّفِهِ المُطْلَقِ بِالكَوْنِ ، وَعَلى صِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ الأَنْبِيَاءُ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَذَّبُوا أَنْبِيَاءَهُمْ ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ، وَقَالُوا لَهُمْ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ ، وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مُثِيرٍ لِلرَّيْبِ مِمَّا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ .