( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ مَعْنَى { فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ } أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا كَلاَمَ اللهِ عَجِبُوا ، وَرَجِعُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُسْمِعَ صَوْتَهُ مَنْ هُوَ بَعيدٌ عَنْهُ ، أَيْ إِنَّ هَذا تَعْبِيرٌ عَنْ أَنَّهُمْ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ مُعْلِنِينَ كُفْرَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ الرُّسُلُ ) .
وَقِيلَ إِنَّ هَذا التَّعْبِيرَ مَثَلٌ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا وَلَمْ يَرُدُّوا جَوَابًا .
( وَقِيلَ أَيْضًا إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ وَضَعُوا أَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ اسْتِغْرَابًا وَاسْتِنْكَارًا ) .
( وَقِيلَ أَيْضًا إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّهُمْ عَضُّوا عَلَى أَنَامِلِهِمْ تَغَيُّطًا مِنَ الرُّسُلِ وَكَلاَمِهِمْ ) .
إنه يذكرهم بنعمة الله عليهم . نعمة النجاة من سوء العذاب الذي كانوا يلقونه من آل فرعون ، يسامونه سومًا ، أي يوالون به ويتابعون ، فلا يفترعنهم ولا ينقطع . ومن ألوانه البارزة تذبيح الذكور من الأولاد واستحياء الإناث ، منعًا لتكاثر القوة المانعة فيهم واستبقاء لضعفهم وذلهم .
فإنجاء الله لهم من هذه الحال نعمة تذكر . وتذكر لتشكر .
{ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } . .
بلاء بالعذاب أولًا ، لامتحان الصبر والتماسك والمقاومة والعزم على الخلاص والعمل له . فليس الصبر هو احتمال الذل والعذاب وكفى . ولكن الصبر هو احتمال العذاب بلا تضعضع ولا هزيمة روحية ، واستمرار العزم على الخلاص ، والاستعداد للوقوف في وجه الظلم والطغيان . وإلا فما هو صبر مشكور ذلك الاستسلام للذل والهوان . . وبلاء بالنجاة لامتحان الشكر ، والاعتراف بنعمة الله ، والاستقامة على الهدى في مقابل النجاة .
ويمضي موسى في البيان لقومه . بعد ما ذكرهم بأيامه . ووجههم إلى الغاية من العذاب والنجاة . وهي الصبر للعذاب والشكر للنجاة . . يمضي ليبين لهم ما رتبه الله جزاء على الشكر والكفران:
{ وإذ تأذن ربكم: لئن شكرتم لأزيدنكم ، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } . .
ونقف نحن أمام هذه الحقيقة الكبيرة: حقيقة زيادة النعمة بالشكر ، والعذاب الشديد على الكفر .
نقف نحن أمام هذه الحقيقة تطمئن إليها قلوبنا أول وهلة لأنها وعد من الله صادق . فلا بد أن يتحقق على أية حال . . فإذا أردنا أن نرى مصداقها في الحياة ، ونبحث عن أسبابه المدركة لنا ، فإننا لا نبعد كثيرًا في تلمس الأسباب .
إن شكر النعمة دليل على استقامة المقاييس في النفس البشرية . فالخير يشكر لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي ، في الفطرة المستقيمة . .
هذه واحدة . . والأخرى أن النفس التي تشكر الله على نعمته ، تراقبه في التصرف بهذه النعمة . بلا بطر ، وبلا استعلاء على الخلق ، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والدنس والفساد .
وهذه وتلك مما يزكي النفس ، ويدفعها للعمل الصالح ، وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها؛ ويرضي الناس عنها وعن صاحبها ، فيكونون له عونًا؛ ويصلح روابط المجتمع فتنمو فيه الثروات