نبي في جهاد قط ، لأن المقتول ليس بغالب ، لأن القتل قسم مقابل للغلبة ، كما بينه تعالى في قوله: { وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ } [ النساء: 74 ] الآية . وقال تعالى: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر: 51 ] الآية . وقد نفى عن المنصور كونه مغلوبًا نفيًا باتًا في قوله تعالى: { إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } [ آل عمران: 160 ] .
وبهذا تعلم أن الرسل الذين جاء في القرآن أنهم قتلوا كقوله تعالى: { أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُكُمْ استكبرتم فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } [ البقرة: 87 ] وقوله تعالى: { قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } [ آل عمران: 183 ] ليسوا مقتولين في جهاد ، وأن نائب الفاعل في قوله تعالى: { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } [ آل عمران: 146 ] ، على قراءة قتل بالبناء للمفعول ، هو ربيون لا ضمير النبي .
وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح بالآيات القرآنية في سورة آل عمران في الكلام على قوله: { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } [ آل عمران: 146 ] وذكرنا بعضه في الصافات في الكلام على قوله تعالى: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين } [ الصافات: 171 ] ". [1] "
والحقيقة أن هذا الاستنباط الذي استنبطه العلامة الشنقيطي من دلالات الآيات والتوفيق بينها للخروج بهذه القطعية لينبئ عن براعة الرجل في تفسير القرآن بالقرآن، وكذلك يخرج ببرهان واضح في هذه المسألة، ويوافق ما قاله الحسن وسعيد بن جبير من أنه"ما قتل نبي في حرب قط".
أما القراءة التي في قوله تعالى: { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ } (146) سورة آل عمران بدلًا من قراءة (( قاتل ) )فهي قراءة سبعية، قرأ بها نافع وابن كثير وأبو عمرو، ومن العشرة يعقوب وهي قراءة ابن عباس، واختارها أبو حاتم، إلا أن الآية لا تنص على أن النبي المقتول كان في قتال أو أمر به، وعليه فلا تخالف ما سبق تقريره في ذلك.
ــــــــــــــــــــ
إن دماء الأنبياء الذين يقتلون لا تذهب هدرًا فوليها بالثأر هو الله سبحانه وتعالى، هم ومن كان قائمًا في الناس يأمرهم بالقسط من المؤمنين، قال سبحانه وتعالى: { إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } (51) سورة غافر.
والرسل الذين قتلوا يكون نصرهم في الدنيا بالانتصار ممن قتلهم والانتقام منه، وقَالَ السُّدِّيّ:"لَمْ يَبْعَث اللَّه عَزَّ وَجَلَّ رَسُولًا قَطُّ إِلَى قَوْم فَيَقْتُلُونَهُ أَوْ قَوْمًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُونَ إِلَى الْحَقّ فَيُقْتَلُونَ"
(1) - أضواء البيان - (ج 8 / ص 165)