فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 2003

انفروا جماعات نظامية . أو انفروا جميعا . ولا ينفر بعضكم ويتثاقل بعضكم - كما هو واقع - وخذوا حذركم . لا من العدو الخارجي وحده ; ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين ; سواء كانوا يبطئون أنفسهم - أي يقعدون متثاقلين - أو يبطئون غيرهم معهم ; وهو الذي يقع عادة من المخذلين المثبطين !

ولفظة (ليبطئن) مختارة هنا بكل ما فيها من ثقل وتعثر ; وإن اللسان ليتعثر في حروفها وجرسها , حتى يأتي على آخرها , وهو يشدها شدا ; وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويرا كاملا بهذا التعثر والتثاقل في جرسها . وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن , الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة .

وكذلك يشي تركيب الجملة كلها: (وإن منكم لمن ليبطئن) , بأن هؤلاء المبطئين - وهم معدودون من المسلمين - (منكم) يزاولون عملية التبطئة كاملة , ويصرون عليها إصرارا , ويجتهدون فيها اجتهادا . .

وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة !

مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة , وشدة أثرها في الصف المسلم ; وشدة ما يلقاه منها !

ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم , وعلى دخيلة نفوسهم ; ويرسم حقيقتهم المنفرة , على طريقة القرآن التصويرية العجيبة:

فها هم أولاء , بكل بواعثهم , وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم . .

ها هم أولاء مكشوفين للأعين , كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر , يكشف النوايا والسرائر ; ويكشف البواعث والدوافع .

ها هم أولاء - كما كانوا على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكما يكونون في كل زمان وكل مكان . ها هم أولاء . ضعافا منافقين ملتوين ; صغار الاهتمامات أيضا:لا يعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر , ولا أفقا أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة . فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد . وهم هم هذا المحور الذي لا ينسونه لحظة !

إنهم يبطئون ويتلكأون , ولا يصارحون , ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال ! وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف الصغار:

يتخلفون عن المعركة . .

فإن أصابت المجاهدين محنة , وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين - في بعض الأحايين - فرح المتخلفون ; وحسبوا أن فرارهم من الجهاد , ونجاتهم من الابتلاء نعمة:

فإن أصابتكم مصيبة قال:قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت