فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 2003

عرج على هذا كله . لأنه مادة إعداد الجماعة المسلمة للمعركة في نطاقها الواسع ; الذي يتضمن المعركة الحربية في إطاره ولا يقتصر عليها . معركة التعبئة الكاملة للانتصار الكبير . الانتصار على النفس والشهوات والمطامع والأحقاد , والانتصار في تقرير القيم والأوضاع السليمة لحياة الجماعة الشاملة .

وعرج على هذا كله ليشير إلى وحدة هذه العقيدة في مواجهة الكينونة البشرية ونشاطها كله . ورده كله إلى محور واحد:محور العبادة لله , والعبودية له , والتوجه إليه في حساسية وتقوى . وإلى وحدة منهج الله في الهيمنة على الكينونة البشرية كلها , في كل حال من أحوالها . وإلى الترابط بين جميع هذه الأحوال في ظل هذا المنهج . وإلى وحدة النتائج النهائية للنشاط الإنساني كله , وتأثير كل حركة من حركات النفس , وكل جزئية من جزئيات التنظيم في هذه النتائج النهائية .

وإذن فهذه التوجيهات الشاملة ليست بمعزل عن المعركة . فالنفس لا تنتصر في المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية والنظامية , والذين تولوا يوم التقى الجمعان في"أحد":إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا من الذنوب . والذين انتصروا في معارك العقيدة وراء أنبيائهم هم الذين بدأوا المعركة بالاستغفار من الذنوب , والالتجاء إلى الله , والالتصاق بركنه الركين . والتطهر من الذنوب إذن والالتصاق بالله , والرجوع إلى كنفه من عدة النصر , وليست بمعزل عن الميدان ! واطراح النظام الربوي إلى النظام التعاوني من عدة النصر ; والمجتمع التعاوني أقرب إلى النصر من المجتمع الربوي . وكظم الغيظ والعفو عن الناس من عدة النصر , فالسيطرة على النفس قوة من قوى المعركة , والتضامن والتواد في المجتمع المتسامح قوة ذات فاعلية كذلك .

كذلك كان من الحقائق التي اتكأ عليها السياق من بدئه إلى نهايته . . حقيقة قدر الله . ورد الأمر إليه جملة . وتصحيح التصور في هذه النقطة تصحيحا حاسما جازما . وفي الوقت ذاته تقرير سنة الله في ترتيب العواقب التي تحل بالبشر على ما يصدر من سعيهم ونشاطهم , وخطئهم وإصابتهم , وطاعتهم ومعصيتهم , وتمسكهم بالمنهج وتفريطهم فيه . واعتبارهم بعد هذا كله ستارا للقدرة , وأداة للمشيئة , وقدرا من قدر الله يحقق به ما يشاء سبحانه .

ثم . . في النهاية . . إشعار الجماعة المسلمة أن ليس لها من أمر النصر شيء . إنما هو تدبير الله لتنفيذ قدره , من خلال جهادها . وأجرها هي على الله . وليس لها من ثمار النصر شيء من أشياء هذه الأرض . ولا لحسابها الخاص يؤتيها الله النصر إذ يشاء . إنما لحساب الأهداف العليا التي يشاؤها الله . وكذلك الهزيمة . فإنها حين تقع بناء على جريان سنة الله , وفق ما يقع من الجماعة المسلمة من تقصير وتفريط , إنما تقع لتحقيق غايات يقدرها الله بحكمته وعلمه ; لتمحيص النفوس , وتمييز الصفوف , وتجلية الحقائق , وإقرار القيم , وإقامة الموازين , وجلاء السنن للمستبصرين . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت