فإنَّ الباحث ليتملَّكه الإعجاب من رجلٍ قاد جموعًا غالبيتها من بدو الصحراء، من الأعراب المتمردين على النظام، ولا يعرفون من سنن الحرب إلا الغزو الفوضوي الذي ألفوه في جاهليتهم، والذين لم تمكنهم صحراؤهم من امتلاك الأسلحة إلا البسيطة منها، فنظمهم خالد ورتبهم عسكريًا، وعبَّأهم كراديس وخيالة ورجَّالة وميمنة وميسرة وقلبًا وساقة، وقابل بهم جيوشًا نظامية مدرّبة، فقهر بهم أكبر امبراطوريتين عُرفتا في ذلك العصر، هذا الرأي المدبِّر مع الخاصة الأولى الشجاعة كأنه هو الذي أفصح عن وصفه المتنبي بعد قرنين ونصف عندما قال في مطلع قصيدته المشهورة:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أوّلٌ، وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرّةٍ
بلغتْ من العلياء كل مكانِ
وكأن المتنبي عناه بهذه القصيدة الرائعة عندما قال فيها:
رفعتْ بك العربُ العمادَ وصيَّرتْ
قِمم الملوك مواقد النيرانِ
أنساب فخرِهم إليك، وإنما
أنساب أصلِهم إلى عدنانِ
إن السيوفَ مع الذين قلوبهم
كقلوبهنَّ إذا التقى الجمعانِ
فإذا رأيتك حار دونك ناظري
وإذا مدحتك حار فيك لساني
جـ-عقيدة الجهاد في الإسلام:
فمنذ أن دخل خالد في الإسلام سنة 8 هجرية لم يسلِم ويحسُن إسلامُه فحسب، بل تغلغلتْ العقيدة في صميم قلبه، وآمن أن الإسلام ليس للعرب فقط، وإنما للناس كافة، فآمن أكثر من غيره بوجوب نشر الإسلام في أقطار الأرض، ومن هنا انطلق خارج مكة والمدينة، فكانت فتوحات العراق والشام، فكانت بغرض نشر العقيدة التي تأصلت في وجدانه، والتي تؤججها الرغبة في الجهاد والاستشهاد، لا حبًا في كسب الغنائم كما يفسر ذلك بعض محلّلي النصوص التاريخية، صحيح أن متاع الحياة الدنيا مرغوب، ولكن ثواب الآخرة هو المحرِّض الأكبر عند عامة المحاربين من المسلمين، وعلى رأسهم ابن الوليد.
د-مواتاة الظروف السياسية والاجتماعية