الوليد- رؤية معاصرة) تهدف هذه الندوة إلى تحريض الروح الجهادية، وإرادة المقاومة والصمود في أجيالنا من خلال استعراض واستذكار هذه المعاني في شخصية خالد بن الوليد، صحيح أنه كُتب الكثير عن شخصية هذا القائد العظيم من قِبَل مؤرِّخين وعسكريين وسياسيين وأدباء وعلماء نفس وعلماء اجتماع ومُحلّلي نصوص من عرب ومستشرقين، ولكنْ ما زال الزمان والمصادر التاريخية تتكشف عن جوانب منه ما زالت غائبة عنا، أو مهمّشة غيّبها أناس من أعداء هذه الأمة، ساءهم أن يتحدَّثوا بإنصاف عن الدور الذي حقّقه هذا الرجل فانتزع منهم هذه الأرض التي عاش عليها العرب وتعيش عليها الأجيال العربية منذ أربعة عشر قرنًا ونيّف. ثم جاء الجهلة من أبناء الأمة العربية وتابعوهم على مقولاتهم المُغرِضة، فكان هذا التاريخ المشوّه الذي نخشى أن يصبح حقائق مقرَّرة عند الأجيال العربية في قادمات الأيام. عندما أحببتُ ألا تفوتني هذه المناسبة من غير أن أشارك بكتابة بحثٍ عن جانب من جوانب خالد بن الوليد في معركة اليرموك، وأحسِب أن أحدًا لم يتطرق إليه في حدود علمي، باستثناء كتابين لجنرالين عظيمين: أولهما الجنرال أكرم الباكستاني الجنسية
وثانيهما العماد الأول مصطفى طلاس العربي الجنسية فجذبتني القراءة في كتب التاريخ، والمرء يسعد للاطلاع على المواقف المشرِّفة في تاريخه، ويطرب لما حقّقه أبطال من أجداده، فيدفعه حب الاستطلاع والفضول العلمي أن يسْتَكْنِه سر النصر في شخصية هذا القائد الذي لم يُهزَم في معركة قط، فوجدتُ سر نجاحه في العناصر الأربعة التالية:
آ-الشجاعة، وهذه صفة فطرية، وهبة من الله، تلعب الوراثة- كما يقول علماء النفس- دورًا كبيرًا في نقلها من السلف إلى الخلف، وتعطيها لإنسان وتحرم منها آخر، يتّصف بها الرجل كما تتّصف بها المرأة، ولا فرق فيها بين سيِّد وعبد، كما لمحنا في تاريخنا الجاهلي والإسلامي، وقد تتجلى الشجاعة في الجسد عند أناس، أو تتجلى في الرأي والفكر عند أناس آخرين، ولما كانت هذه الشجاعة فطرية فإن الأحداث والأيام والمعارك تنمِّيها وتصقلها. وممارسة الحرب، وخوض المعارك من شأنها أن تؤصل الشجاعة في الشجاع، وتؤكد فيه نزعة الإقدام، ومبارزة الخصوم، بقلبٍ جسور، وعزيمة صادقة، وهذه الخصائص تمركزت في خالد كما تحدثنا نشأته الأولى، حتى وصفه الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) بأنه سيف الله المسلول.
ب-الرأي المحرك للقدرة على التخطيط الحرْبي، ووضع القرار الحكيم، وحسن إدارة المعارك، والحكمة البعيدة أو بُعد النظر في تعبئة الجيوش، وترتيب الصفوف وتوزيع المهمات القتالية، وحسن اختيار قادة الفيالق والسرايا والكتائب وإسناد المهمات لمن يستطيع النهوض بها حسب الرتب العسكرية والحشود القبائلية والعشائرية طبقًا لما هو متعارَف عليه في مجتمع ذلك الزمان. وباختصار حسن رسم (التخطيط الاستراتيجي والتكتيكي) كما هو متعارَف عليه في المصطلح العسكري المعاصر، أو كما كانوا يُسندون لخالد إدارة (القُبّة والأعِنّة) في المصطلح العسكري القديم.