وقال تعالى: { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) } [الأنفال: 26]
يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ إِلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّعَمِ الوَفِيرَةِ ، فَقَدْ كَانُوا قَلِيلِي العَدَدِ ، مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ، يَعْتَدِي عَلَيْهِمُ النَّاسُ ، خَائِفِينَ مِنْ مُجْرِمِي قُرَيْشٍ ، فَقَوَّاهُمْ وَآوَاهُمْ ، وَنَصَرَهُمْ وَرَزَقَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ، وَكُلُّ هَذِهِ النَّعَمِ التِي أَنْعَمَ بِهَا اللهُ عَلَيْهِمْ تَسْتَحِقُّ مِنْهُمْ أَنْ يَشْكُرُوهُ عَلَيْهَا ، فَاللهُ تَعَالَى مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُكْرَ مِنْ عِبَادِهِ .
اذكروا هذا لتستيقنوا أن الرسول يدعوكم لما يحييكم ; واذكروه كي لا تقعدوا عن مكافحة الظلم في كل صوره وأشكاله . .
اذكروا أيام الضعف والخوف , قبل أن يوجهكم الله إلى قتال المشركين , وقبل أن يدعوكم الرسول إلى الطائفة ذات الشوكة وأنتم كارهون . .
ثم انظروا كيف صرتم بعد الدعوة المحيية التي انقلبتم بها أعزاء منصورين مأجورين مرزوقين . يرزقكم الله من الطيبات ليؤهلكم لشكره فتؤجروا على شكركم لفضله !
ويرسم التعبير مشهدا حيا للقلة والضعف والقلق والخوف: (تخافون أن يتخطفكم الناس) . .
وهو مشهد التربص الوجِل , والترقب الفزع , حتى لتكاد العين تبصر بالسمات الخائفة , والحركات المفزَّعة , والعيون الزائغة . .
والأيدي تمتد للتخطف ; والقلة المسلمة في ارتقاب وتوجس !
ومن هذا المشهد المفزع إلى الأمن والقوة والنصر والرزق الطيب والمتاع الكريم , في ظل الله الذي آواهم إلى حماه: (فآواكم , وأيدكم بنصره , ورزقكم من الطيبات) . .
وفي ظل توجيه الله لهم ليشكروا فيؤجروا: (لعلكم تشكرون) . .
فمن ذا الذي يتأمل هذه النقلة البعيدة , ثم لا يستجيب لصوت الحياة الآمنة القوية الغنية . . صوت الرسول الأمين الكريم . .
ثم من ذا الذي لا يشكر الله على إيوائه ونصره وآلائه , وهذا المشهد وذلك معروضان عليه , ولكل منهما إيقاعه وإيحاؤه ?
على أن القوم إنما كانوا يعيشون هذا المشهد وذاك . .
كانوا يذكرون بما يعرفون من حالهم في ماضيهم وحاضرهم . . ومن ثم كان لهذا القرآن في حسهم ذلك المذاق . .
والعصبة المسلمة التي تجاهد اليوم لإعادة إنشاء هذا الدين في واقع الأرض وفي حياة الناس ; قد لا تكون قد مرت بالمرحلتين , ولا تذوقت المذاقين . .