وسلم:"اللهم أغن المقداد من فضلك". فقال المقداد:هذا الذي أردت ! قال:وفيه أنزلت هذه الآية: (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا:قد سمعنا , لو نشاء لقلنا مثل هذا , إن هذا إلا أساطير الأولين) . .
ولقد تكررت في القرآن حكاية قول المشركين عن القرآن:إنه أساطير الأولين: (وقالوا:أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) . .
وما كان هذا القول إلا حلقة من سلسلة المناورات التي كانوا يحاولون أن يقفوا بها في وجه هذا القرآن , وهو يخاطب الفطرة البشرية بالحق الذي تعرفه في أعماقها فتهتز وتستجيب ; ويواجه القلوب بسلطانه القاهر فترتجف لإيقاعه ولا تتماسك . وهنا كان يلجأ العلية من قريش إلى مثل هذه المناورات . وهم يعلمون أنها مناورات !
ولكنهم كانوا يبحثون في القرآن عن شيء يشبه الأساطير المعهودة في أساطير الأمم من حولهم ليموهوا به على جماهير العرب , الذين من أجلهم تطلق هذه المناورات , للاحتفاظ بهم في حظيرة العبودية للعبيد !
لقد كان الملأ من قريش يعرفون طبيعة هذه الدعوة , مذ كانوا يعرفون مدلولات لغتهم الصحيحة ! كانوا يعرفون أن شهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمدًا رسول الله , معناها إعلان التمرد على سلطان البشر كافة , والخروج من حاكمية العباد جملة ; والفرار إلى ألوهية الله وحده وحاكميته . ثم التلقي في هذه العبودية لله عن محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده , دون الناطقين باسم الآلهة أو باسم الله ! . .
وكانوا يرون الذين يشهدون هذه الشهادة يخرجون لتوهم من سلطان قريش وقيادتها وحاكميتها ; وينضمون إلى التجمع الحركي الذي يقوده محمد - صلى الله عليه وسلم - ويخضعون لقيادته وسلطانه ; وينتزعون ولاءهم للأسرة والعشيرة والقبيلة والمشيخة والقيادة الجاهلية ; ويتوجهون بولائهم كله للقيادة الجديدة , وللعصبة المسلمة التي تقوم عليها هذه القيادة الجديدة . .
كان هذا كله هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله . .
وكان هذا واقعًا يشهده الملأمن قريش ; ويحسون خطره على كيانهم , وعلى الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقيدية التي يقوم عليها كيانهم .
لم يكن مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله , هو هذا المدلول الباهت الفارغ الهزيل الذي يعنيه اليوم من يزعمون أنهم مسلمون - لمجرد أنهم يشهدون هذه الشهادة بألسنتهم ; ويؤدون بعض الشعائر التعبدية , بينما ألوهية الله في الأرض وفي حياة الناس لا وجود لها ولا ظل ; وبينما القيادات الجاهلية والشرائع الجاهلية هي التي تحكم المجتمع وتصرف شؤونه .
وحقيقة إنه في مكة لم تكن للإسلام شريعة ولا دولة . .