فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 2003

ولكن الذين كانوا ينطقون بالشهادتين كانوا يسلمون قيادهم من فورهم للقيادة المحمدية ; ويمنحون ولاءهم من فورهم للعصبة المسلمة ; كما كانوا ينسلخون من القيادة الجاهلية ويتمردون عليها ; وينزعون ولاءهم من الأسرة والعشيرة والقبيلة والقيادة الجاهلية بمجرد نطقهم بالشهادتين . .

فلم يكن الأمر هو هذا النطق الفارغ الباهت الهزيل . ولكن كانت دلالته الواقعية العملية هي التي تترجمه إلى حقيقة يقوم عليها الإسلام . .

وهذا هو الذي كان يزعج الملأ من قريش من زحف الإسلام , ومن هذا القرآن . .

إنه لم يزعجهم من قبل أن"الحنفاء"اعتزلوا معتقدات المشركين وعباداتهم ; واعتقدوا بألوهية الله وحده وقدموا له الشعائر وحده , واجتنبوا عبادة الأصنام أصلًا . .

فإلى هنا لا يهم الطاغوت الجاهلي شيء ; لأنه لا خطر على الطاغوت من الاعتقاد السلبي والشعائر التعبدية !

إن هذا ليس هو الإسلام - كما يظن بعض الطيبين الخيرين الذين يريدون اليوم أن يكونوا مسلمين , ولكنهم لا يعرفون ما هو الإسلام معرفة اليقين ! - إنما الإسلام هو تلك الحركة المصاحبة للنطق بالشهادتين . .

هو الانخلاع من المجتمع الجاهلي وتصوراته وقيمه وقيادته وسلطانه وشرائعه ; والولاء لقيادة الدعوة الإسلامية وللعصبة المسلمة التي تريد أن تحقق الإسلام في عالم الواقع . .

وهذا ما كان يقض مضاجع الملأ من قريش , فيقاومونه بشتى الأساليب . .

ومنها هذا الأسلوب . .

أسلوب الادعاء على القرآن الكريم , بأنه أساطير الأولين !

وأنهم - لو شاءوا - قالوا مثله ! ذلك مع تحديهم به مرة ومرة ومرة . . وهم في كل مرة يعجزون ويخنسون !

والأساطير واحدتها أسطورة . وهي الحكاية المتلبسة - غالبًا - بالتصورات الخرافية عن الآلهة ; وعن أقاصيص القدامى وبطولاتهم الخارقة , وعن الأحداث التي يلعب فيها الخيال والخرافة دورًا كبيرًا . .

وقد كان الملأ من قريش يعمدون إلى ما في القرآن من قصص الأولين ; وقصص الخوارق والمعجزات ; وفعل الله بالمكذبين وإنجائه للمؤمنين . . .

إلى آخر ما في القصص القرآني من هذه الموضوعات ; فيقولون للجماهير المستغفلة:إنها أساطير الأولين ; اكتتبها محمد ممن يجمعونها ; وجاء يتلوها عليكم , زاعمًا أنه أوحي إليه بها من عند الله . .

وكذلك كان النضر ابن الحارث يجلس في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد انتهائه ; أو يجلس مجلسًا آخر يجاوره ; ويقص الأساطير الفارسية التي تعلمها من رحلاته في بلاد فارس ; ليقول للناس:إن هذا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت