عدوانيا"وإنما باعتبارها"منحة إلهية"، تحمل البشارة"بالانعتاق الثقافي"من أسر ظلمات"العصور الوسطى"!!. وتدفقت التفسيرات التي عزت الهزيمة، إلى تمسك العرب والمسلمين - ليس بالتقاليد والأعراف الجاهلية الدخيلة على الإسلام- وإنما بمرجعيتهم الدينية، حتى وإن كانت في صيغتها النقية، باعتبارها"شرا"لا خير فيها لولوج الأمة آفاق النهضة. ولعلنا نتذكر ما كتبه قاسم أمين (1863 ـ 1908) ، في بداية القرن الماضي، عندما تساءل قائلا:"هل يظن المصريون.. أن أولئك القوم ـ يقصد الأوربيين ـ بعد أن بلغوا من كمال العقل والشعور مبلغا مكنهم من اكتشاف قوة البخار والكهرباء، يتركون الحجاب بعد تمكنه عندهم لو رأوا فيه خيرا؟ كلا!"، وفي الوقت الذي كان فيه المصريون، يرسلون أطفالهم إلى المدارس القرآنية"الكتاتيب"لتلقي علوم القرآن، أحضر قاسم أمين لطفلته الأولى"زينب"مربية فرنسية وللثانية"جلنس"مربية إنجليزية، وهو مثل انتقيناه من المشهد الثقافي المصري آنذاك، الذي كان في سبيله إلى تدشين أكبر عملية لتغيير هويته الحضارية، لتماثل في معمارها الثقافي والحضاري، ثقافة وحضارة الغالب المنتصر، حتى بات شعار عميد الأدب العربي طه حسين (1889 ـ 1973) ، في مؤلفه الشهير"مستقبل الثقافة في مصر".. هو"أن نحذو حذو أوروبا في حلوها ومرها، خيرها وشرها"."
وفي وسط هذا المناخ المكتظ بمشاعر الهزيمة الحضارية أمام الغرب، بات الخطاب السياسي والثقافي العربي، مصدرا يقذف العقل العربي، بحممه الاصطلاحية، والتي كانت في حينها جديدة على الرأي العام، مثل الوطنية القومية (بتجلياتها المختلفة: الأشورية، البابلية، الفرعونية، الفينيقية) ، والتنوير.. إلخ. ولم تكن محض مصطلحات وإنما كانت دعوات وحركات وأحزابا وروابط، استقت مفاهيمها ورؤاها من منطلق محاكاة أوربا باعتبارها مركز العالم وقبلته في ذلك الوقت، واعتقادا بان التاريخ قد اكتمل، وبلغ نهايته بانتصار النموذج الأوروبي بأسسه المادية على حضارة الشرق الروحية. ما يعني أن تلك المصطلحات والدعوات، كانت في حقيقتها إحدى تجليات الشعور بالدونية، و التسليم بالهزيمة الحضارية أمام الغرب، فالتنوير لغة وحركة وسياقا تاريخيا، صناعة باريسية، اخترعته"باريس"المنتصرة على العالم العربي، التي دكت جيوشها قاهرة المعز عام 1798، وبالت خيولها و جنودها في باحة الأزهر الشريف، واحتلت عددا من الدول العربية. وعلى الجانب العربي كان عنوانا كبيرا من عناوين ثقافة الهزيمة، إذ كان في صيغته العربية، حركة اقصائية، لم تكتف بالتطبيع الثقافي مع الغرب، و إنما تجاوزت ذلك إلى ما هو أبعد، حيث دعت إلى إقصاء الثقافة العربية لصالح الثقافة الغربية، بحيث يحل فولتير، روسو ومنتسيكيو، محل ابن رشد وسيبويه والشافعي وعبد القاهر الجرجاني!!. فالتنوير الذي طرح آنذاك ـ ولا يزال حتى الآن حيا بالأتباع والمريدين ـ كان مؤسسا على"المحاكاة"وليس على"الإبداع"، والمسافة بين الأولى والثانية، تعادل الفارق بين"التبعية"و"الاستقلال". ولما كانت ثقافة