الهزيمة، تستند في التنظير لمشروعيتها على نزعة استغلالية، تستغل حالة الشعور العام بفقدان الثقة في قدرة الأمة على الصمود وتجاوز المحنة أو إعادة إحيائها من جديد، فإنها تؤسس لحضورها -
في واقع لم يألف هذا الحضور من قبل- على إحداثيات عدة، أهمها المراوغة والتبرير والتشهير والإرهاب، إنها لا تستطيع محاججة"ثقافة المقاومة"إلا من خلال هذه الأبعاد"الرخيصة": فالدعوة إلى"الوطنية"بمضمونها الانعزالي المغلق، استغلت تحمل الشعوب العربية أعباء سداد فاتورة المواجهات العسكرية العربية في حروب التحرير من الاستعمار في القرنين: التاسع عشر وأوائل العشرين أولا ثم مع إسرائيل لاحقا، لتجد مبرراتها في الاتكاء على مبدأ"المصلحة"، إذ جعلت من الأخيرة معيارها الأساسي في تأطير شكل ومضمون وشرعية العلاقة مع العالم بما فيه العالم العربي والإسلامي، بتنويعاتها المختلفة ابتداء من التنصل من أي نص دستوري يشير ضمنا أو صراحة إلى الانتماء العربي، وصولا إلى رفض أي شكل من أشكال المساندة المباشرة أو الغير مباشرة للشعوب العربية أو الإسلامية في كفاحها ضد ما يتهددها من أخطار.
إن الوطنية على هذا النحو المتطرف، كانت تطبيعا مع المخطط الغربي، الرامي إلى تفتيت العالم العربي، وتوزيعه إلى مناطق نفوذ بين القوى التي هزمته عسكريا من جهة، وتنصلا من أعباء المقاومة وانتصارا لثقافة الهزيمة من جهة أخرى. ولما كانت ثقافة الهزيمة، تعتمد على لغة مراوغة، وتفتقر في الوقت ذاته إلى منطق التاريخ و"الحق"والجغرافيا، فضلا عن أنها سليلة سياق تاريخي غريب وطارئ، فإنه سريعا ما تتبدى قامتها القزمية، أمام منطق الحق الحاضن لحركات وثقافة المقاومة، ما يجعلها دعوة"تغريرية"، تغرر بأصحابها لاعتماد خطاب دعائي عصبي يعتمد على التشهير بالخصوم و إرهابهم واغتيالهم فكريا ومعنويا: فكل من عارض التنوير بصيغته الانهزامية، فهو ظلامي.. رجعي.. متخلف!!. و من انتقد الوطنية في تقوقعها نحو الداخل، فهو عميل لهذا النظام أو لذاك!!
ولئن كانت"ثقافة الهزيمة"ـ التي تتمثلها النخبة في دول الهامش ـ هي وليدة أوضاع دولية، تستأثر فيها قوة وحيدة بالسيطرة على العالم عسكريا وسياسيا و اقتصاديا وثقافيا (لاحظ فتور ثقافة الهزيمة في العالم العربي خلال الحرب الباردة ووجود قوتين تتنازعان الهيمنة على العالم) ، فإنها تتبدل مصطلحاتها و تتلون مسمياتها، وفقا للخصوصية الثقافية والحضارية، لتلك القوة الوحيدة، التي رشحتها الشروط التاريخية في حينها، للهيمنة المباشرة أو غير المباشرة على العالم: فالعصر الإمبريالي الذي مثلت"باريس"و"لندن"معا ـ في القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين ـ سنامه وقوامه الأساسي، كانت له مصطلحاته، الفرعية ـ والتي ظهرت في العالم العربي وفي غيره أيضا ـ سواء في جانبها السياسي (مثل القومية والوطنية) أو في جانبها الفكري (مثل التنوير والعلمانية) ، داخل إطار اصطلاحي أوسع يعكس الخصائص الكونية لثقافة الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية مثل:"الفرانكفونية"و"الانجلوسكسونية"، وعلى الرغم من أنها اصطلاحات أفرزتها تداعيات هزيمة العالم