العربي عسكريا، إلا أن النخبة لم تخف سعادتها بانتمائها لهذه الثقافة أو لتلك، حتى أن طه حسين لم يتحرج من التباهي بـ"فرنكفونيته"وكذلك عباس محمود العقاد لم يخف سعادته بـ"انجلوسكسونيته".
بيد أن"ثقافة الهزيمة"بدلت مصطلحاتها، بعد أن حلت الولايات المتحدة محل أوروبا لزعامة العالم عقب نهاية الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن الماضي، ثم اختفاء الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينياته، واستبدل المثقفون العرب مفاهيم"التنوير والحداثة والبنيوية"الباريسية (ثقافة"الغالب"القديم) بنظريات"ما بعد الحداثة"و"التفكيكية"الأمريكية (ثقافة"الغالب"الجديد) ، بكل تجلياتها الانهزامية، إذ تراجعت الصرامة في قداسة"الحدود السياسية"و"السيادة الوطنية"للدول، لصالح مفهوم"العالم ـ القرية"، واستبدال"الإنسان الأيديولوجي"بـ"الإنسان الهلامي"، والتسليم بالعولمة ( أمركة العالم) ، ليس باعتبارها حالة طارئة فرضها منطق القوة والتفوق التقني، وإنما باعتبارها، وعلى نحو ما ذهب إليه"فوكوياما"، المحطة الأخيرة والنهائية في مسيرة التطور الإنساني، ولعل ذلك هو"أصل"محنة العالم العربي، إذ إنه يستقبل ما ينتجه الغالب ـ المنتصر من مصطلحات ومفاهيم تكون عادة مستبطنة تفوقه واستعلائه الحضاري من جهة، وانتصاره العسكري من جهة أخرى، ثم تستهلكها النخب الفكرية والسياسية العربية، باعتبارها استجابة طبيعية لـ"الواقعية السياسية"أو لـ"العقلانية الفكرية"، رغم أن استهلاكها على هذا النحو الذي لا يقبل مراجعة و يغالي في قداستها، هو في واقع الحال عمل بالوكالة عن"المنتصر"لتجميل الهزيمة ودغدغة مشاعر المهزومين، ولعل اخطر ما في هذه الظاهرة، إنها ـ بتواتر تداولها في النصوص السياسية و الفكرية العربية ـ قد تكتسب في الضمير والوجدان الجمعيين قيمتها الواقعية، وربما تمسى بمضي الوقت ـ وهذا هو الأخطر ـ جزءا أصيلا من ثقافتنا الأصلية.
ـــــــــــــــ
منير شفيق
أصبح من الجلي الآن أن الشروط التي حملتها إدارة بوش للدول العربية بعد العدوان على العراق واحتلاله (سبق وبُلّغت قبل ذلك) قد سقطت في الفلوجة والنجف وكربلاء، بل إن أهداف الحرب على العراق واحتلاله فشلت.
وذهبت كل توقعات الإدارة الأمريكية لعراق ما بعد الاحتلال بددًا، ولم يبقَ منها غير اليسير الذي يراد أن يكبر من خلال وسائل أخرى غير الحرب والإملاء.