فهرس الكتاب

الصفحة 1019 من 2003

دخل المسلمون غزوة أحد و لربما كانت نشوةُ النصر في بدر آخذةً بلب بعضهم، و لربما خال بعضهم أنه ومنذ بدر نصرٌ بلا هزيمة وغلبةٌ بلا انكسار، و لربما توهم البعض أن مجرد التزامِ طريق الحق موجبٌ لدوام الظهور والتمكين، وعندما انقلبت موزاين المعركة، وتجرد المسلمون من كل رداء خلا العبودية المطلقة لله؛ تمحضت آنذاك معالم النصر؛ عندما كُسرت ثنية النبي صلى الله عليه وسلم، وشُجَّ وجهه الشريف؛ تمحضت معالم النصر في أمةٍ هكذا قائدها، أمة رأس الحربة فيها هو الإمام القائد، أو قل: الرئيس الحاكم، أمةٌ لا ينشغل حاكمها بكرسي الدنيا عن كرسي الآخرة، قائدٌ يستشير الصغير والكبير، وينزل عند رأي المخالف فيما لا يغضب الله؛ تطييبًا للقلوب، وجبرًا للخواطر، قائدٌ يصمد حين يلتفت الناس، ويرفع لواء الحق حين يتواني عنه الناس، قائدٌ يسدد شيئًا من أقساط الجنة من لحمه ودمه حين يلوذ الناس بلحومهم ودمائهم.

وعندما لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير طلحة وسعد، وعندما قام أبو دجانة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترَّس عليه بظهره، والنبل يقع عليه وهو لا يتحرك، وعندما جعلت أم عمارة نسيبة بنت كعب تذود عن النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما أوتيت من قوة في تسعة رهطٍ اجتمعوا حول النبي صلى الله عليه وسلم حين انفض عنه الناس، هنالك لاحت معالم النصر.

وعندما أصيب زوج وأب، وأخ المرأة من بني دينار، وهي لا تسأل إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا رأته قالت:' كل مصيبةٍ بعدك جلل' أي: هينة.

عندها كان أحد معالم الانتصار، عندما تحقق تقديم حب الله ورسوله على كل ما سواهما عندها كان النصر.

وعندما انحسر المسلمون، وقد أعجبتهم قوتهم وعددهم، لا يلوي أحدٌ منهم على أحد في كمين العدو لهم في حُنين، تقدَّم النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه آنذاك؛ ليعلن للناس جميعًا مسلمين وكفارًا أن أمر هذه الدعوة قائمٌ مهما انحسر عنه الناس، وأن راية الحق أبدًا مشرعة مهما انكسرت لجندها شوكة، فأخذ صلى الله عليه وسلم يدفع بغلته نحو الكفار، وهو ينادي:

[أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ] رواه البخاري و مسلم .

عندها كان النصر، وعندها جلجلت كلمة الحق، أما ما كان بعد ذلك من اجتماع كتائب الحق على كلمة النبي صلى الله عليه وسلم، وقهر عدوهم فلم يكن إلا ترجمة لهذا النصر، وثمرة من ثماره ليس إلا.

وليس هذا النصر الذي نتحدث عنه ظاهرة عابرة في تاريخ أمتنا، بل هو جزء لا يتجزأ من مسيرة كلمة التوحيد عبر العصور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت