(( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ) (العنكبوت:64)
إنَّ الناسَ قد يتساوون في إدراكِ هذهِ الحقيقة المتغيرةِ للحياة والأحياء، ولكنهم يتفاوتون في أسلوبِ التعامل معها ، واستخلاص الخيرِ منها، وجلبَ المنافع، ودفع الشرور ورفض المآثم ، والاجتهادَ في حُسن العمل ، والخلاص من تلكم هي قيمةُ الحياة ، والهدف من الوجود (( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) ) (الملك:2)
والعبادةُ حين تكون الهدف من وجودنا (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) (الذريات:56) .
فهذه العبادة أنماطٌ وأشكالٌ يمارسها العبدُ حين يُصلى، وحين يبيع ويشتري ، وحين يعملُ أو يتعامل ، وحين يتحدثُ أو يكتب ، ويحن يُجاهد أو يتصدق المسلمُ يُمارس العبادة في المسجد والمنزل ، وفي الوظيفة والسوق، في السفرِ والحضر ، وفي حالِ الخلوةِ أو الاجتماع . والشهودُ حاضرون، والإحصاءُ دقيق ، وكتابُ ربي لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، والعبدُ ما يلفظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد.
عبادَ الله:
وثمةَ سؤالٍ مهمٌّ يقول: كيف يتعاملُ المسلمُ مع متغيرات الحياة؟ أن تكون لغة الرفض هي الحل ؟ أم يكون القبولُ المطلق والتسليم ؟ أم هناك موقف وسطٌ راشد؟ وإيجابية تأخذُ المصالح وتنميه وتدعمه . وترفضُ الطالح ويجاهدُ في مدافعته .
إنَّها الإيجابيةُ والمجاهدةُ والسعيُ للإصلاح والوقوفُ في وجهِ الفساد، تلك هي المرتبةُ العلية التي رُبما تقاصرت عنها هِممُ الكثيرين، ما بين مُستسلمٍ سلبي مفتون، وما بين رافضٍ قاعدٍ عن العمل ، يحسبُ أنَّ الرفض كافٍ لأداءِ الواجب،
لقد علّق سُبحانه الهدايةَ بالجهاد في قوله تعالى: (( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) ) (العنكبوت: من الآية69) .
وعلّق عليها ابنُ القيم فقال: فأكملُ الناسِ هدايةً أعظمهم جهادًا، وأفرض الجهاد جهادُ النفسِ، وجهادُ الهوى ، وجهادُ الشياطين، وجهادُ الدنيا ، فمن جاهد هذهِ الأربعة في اللهِ هداه اللهُ سُبلَ رضاهُ الموصلةَِ إلى جنته، ومن ترك الجهادَ فإنَّهُ بعيدٌ من الهدي بحسبِ ما عطّل من الجهاد ( الفوائد / 62 ) .
وإذا تجاوزنا فئةَ المفتونين المستقبلين لكل سوء، ولعلهم في مُجتمعنا قليل ، فالأكثريةُ هم من يرفضون الشرَّ والفساد، ولكنَّهم يتفاوتون بين رافضٍ سلبي لا يملك إلاَّ الرفض،َ وبين رفضٍ إيجابي يُفكِّرُ في المخارج، ويبحثُ عن الحلول، ويتلمسُ سبُلَ الخلاصِ ليُنجي نفسهُ ومجتمعهُ من كلِّ فتنةٍ وافدة، ذاك هو المعول، وهذا الصنفُ هم الأقلون ولكنَّهم المباركون، فأينَ نحنُ منهم ؟