فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 2003

والدين لا يواجه الواقع أيا كان ليقرَّه ويبحث له عن سند منه ، وعن حكم شرعي يعلقه عليه كاللافتة المستعارة ! إنما يواجه الواقع ليزنه بميزانه ، فيقر منه ما يقر ، ويلغي منه ما يلغي ، وينشئ واقعًا غيره إن كان لا يرتضيه ، وواقعه الذي ينشئه هو الواقع . وهذا هو المعنى بأن الإسلام:"دين للواقع".. أو ما يجب أن تعنيه في مفهومها الصحيح !

ولعله يثار هنا سؤال:"أليست مصلحة البشر هي التي يجب أن تصوغ واقعهم ؟"! .

ومرة أخرى نرجع إلى السؤال الذي يطرحه الإسلام ويجيب عليه: - ... * أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ * ؟

-... * وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * !

إن مصلحة البشر متضمنة في شرع الله ، كما أَنزله الله ، وكما بَلَّغه عنه رسول الله ..

فإذا بدا للبشر ذات يوم أن مصلحتهم في مخالفة ما شرع الله لهم ، فهم .. أولًا:"واهمون"فيما بدا لهم .

* إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ، أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى ، فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى * ... [ النجم:23-25 ]

وهم .. ثانيًا:"كافرون".. فما يدعي أحد أن المصلحة فيما يراه هو مخالفًا لما شرع الله ، ثم يبقى لحظة واحدة على هذا الدين . ومن أهل هذا الدين ! .

شَريعَةٌ كَوْنِيّة

إن الإسلام حين يقيم بناءه الإعتقادي في الضمير والواقع على أساس العبودية الكاملة لله وحده ، ويجعل هذه العبودية متمثلة في الاعتقاد والعبادة والشريعة على السواء ، باعتبار أن هذه العبودية الكاملة لله وحده - في صورتها هذه - هي المدلول العملي لشهادة أن لا إله إلا الله .. وأن التلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده هو المدلول العملي كذلك لشهادة أن محمدًا رسول الله ...

إن الإسلام حين يقيم بناءه كله على هذا الأساس ، بحيث تمثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله منهج الحياة في الإسلام ، وتصور ملامح هذا المنهج ، وتقرر خصائصه .. إن الإسلام حين يقيم بناءه على هذا النحو الفريد الذي يفرقه عن جميع الأنظمة الأُخرى التي عرفتها البشرية .. إنما يرجع إلى أصل أشمل في تقريره عن الوجود كله ، لا عن الوجود الإنساني وحده . وإلى منهج للوجود كله لا منهج للحياة الإنسانية وحدها .

إن التصور الإسلامي يقوم على أساس أن هذا الوجود كله من خلق الله ، اتجهت إرادة الله إلى كونه فكان ، وأودعه الله - سبحانه - قوانينه التي يتحرك بها ، والتي تتناسق بها حركة أجزائه فيما بينها ، كما تتناسق بها حركته الكلية سواء .

* إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * [ النحل: 40 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت