وتقول: خدعت محمدًا مرتين، لا يُلدغ المؤمن من جُحر واحد مرتين )) . هذا، وتعتبر غزوة حمراء الأسد أول رد اعتبار للمسلمين عما حصل لهم في أحد.
أيها المسلمون، هذا درس بليغ للمسلمين في كل زمان ومكان بأن لا ينخدعوا بالذين ينقضون العهود والمواثيق، فالمؤمن كَيّسٌ فَطِنٌ، وليس كِيْسَ قُطْنٍ، ينبغي عليه أن لا يُلدغ من جُحر واحد مرتين. أما الأنظمة القائمة في العالم العربي والإسلامي فقد لُدِغت من جُحر واحد مرات ومرات، ولم تتعظ إلى الحين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أيها المسلمون، لقد تمكّن رسولنا الأكرم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم من تغيير الميزان لصالحهم بعد عام واحد فقط، وذلك في غزوة بدر الآخرة، وتعرف بغزوة بدر الصغرى في السنة الرابعة للهجرة، حيث عَسْكَرَ المسلمون فعلًا في موقع بدر، في حين أن المشركين لم يحضروا في المكان والزمان اللذين سبق لأبي سفيان أن حدّدهما بنفسه، وحاول أبو سفيان إخافة وإرجاف المسلمين واللعب بأعصابهم حتى لا يخرجوا إلى موقع بدر، إلا أن محاولاته قد باءت بالفشل، وإن الحرب النفسية والإشاعات لم تؤثر على المسلمين، واستمروا متوجّهين إلى مكان بدر وهم يردّدون: حسبنا الله ونعم الوكيل، فازداد المؤمنون إيمانًا مع إيمانهم.
أيها المسلمون، إذا وقع المسلم في كرب شديد فإنه يلجأ إلى الله رب العالمين داعيًا: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ لقول رسولنا الأكرم: (( إذا وقعتم في أمر عظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ) )، وقد سبق وأن ردّد هذا الدعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما أُلقِي في النار، فكانت النار بردًا وسلامًا عليه.
أيها المسلمون، لقد خرج المسلمون فعلًا، ومكثوا في موقع بدر ثلاثة أيام، وقاموا بأعمال تجارية بأمن وأمان، ثم عادوا غانمين سالمين، ويشير الله عز وجل إلى ذلك بقوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:173-175] .
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، هذه الآيات الكريمة تدعو إلى الثبات والصمود في المواقف الصعبة والحرجة، وتدعو إلى التوكل على الله واللجوء إليه والخشية منه مع العمل الجاد، فإنه لا ملجأ إلا إليه سبحانه وتعالى، وأن المؤمن الذي يتصف بخشية الله فإن الله رب العالمين يُطوّع له المخلوقات كلها، سئل الإمام الحسن البصري رحمه الله: كيف تخاف من ربنا؟ فقال للسائل:"لو ركبت أنت البحر، فتحطّمت سفينتك، فلم يبق منها إلا لوح، فأمسكت به فوق الموج العالي، كيف يكون حالك؟"قال السائل: خوف شديد، قال البصري:"أنا هكذا مع الله، في خوف منه ليل نهار".