لكن كل ذلك لن يجدي ما لم ينهج المصلحون المنهج النبوي في التغيير.
وحين يتأمل المرء في حال هداة عصرنا ومناهجهم في التغيير يجدهم طرائق شتى؛ ففئات تأخذ جانبًا من الجوانب المطلوبة للتغيير، وتضرب صفحًا عن بقية الجوانب.
وفئات تستعجل الطريق، فتختار مرحلة متقدمة من مراحل التغيير، قافزة على ما دونها من المراحل التي لا قيام للمرحلة المختارة إلا بها؛ فهذه تركز على الجهاد أسلوبًا أوحد، وأنه لا سبيل غيره؛ لأنه ذروة سنام الإسلام. وتلك تتطلع إلى الحكم مرددة ما روي عن الفاروق عمر ـ رضي الله عنه ـ: «إن الله ليَزَع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» (2) .
وفئات داخلها الخور والخوف فخشيت الأذى، أو ركنت إلى الدنيا وملذاتها، فأخذت تضخم حجم الخير الموجود وتتغافل عن ضده، وزين لها الشيطان سوء عملها، فأخذت ترى أن مدافعة الشر المستطير - حتى وإن كان بطريقة حكيمة وأسلوب حسن - إنما هو تعجل وتهور وخروج عن الجادة وتنكب عن الصراط السوي!!.
وكل هذه الطرائق - مهما حققت من خير - لن تقود إلى التغيير المنشود؛ لأنها أخذت ببعض الكتاب وتركت بعضه.
5 -يوجد عائقان متقابلان هما أعظم عوائق نجاح دعوات الإصلاح والتغيير: الاستعجال، والضعف والخور.
فأما الأول: فيقود إلى الهلكة مهما كان قصد صاحبه حسنًا؛ لفقد الرفق والحكمة، وعدم إعطاء البعد الزمني حقه.
وأما الثاني: فيحول بين الإنسان والعمل ليلجأ بعدها ضعيف النفس إلى التسويغ لخوره والتأصيل لضعفه وإعطائه بعدًا شرعيًا.
ومن يتأمل في هدي نبينا محمد في التغيير يجد أنه بذل غاية وسعه في الإصلاح والتغيير بطريقة قوية وإصرار تنهدّ لثباته وشدته الجبال الرواسي.. كل ذلك في ظل تؤدة ورفق، وحكمة ظاهرة، وأخذ بالأسباب الشرعية، وإتيان للبيوت من أبوابها، فدعا وعلّم، وبنى وربّى، وآخى ووحد، وأقام دولة الإسلام التي من خلالها جاهد وأقام شرائع الإسلام في المجتمع.
ذلك كان هديه
فإذا أردنا لأمتنا فلاحًا ولأنفسنا نجاحًا فلنسلك مسلكه، ولْنسر على نهجه، فلن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به حال أولها.
6 -وفي ظل هذا الواقع المأساوي رغم وجود هذه الكوكبة المشرقة من العلماء الربانيين والدعاة الصادقين وأبناء الصحوة المباركة؛ فإن واجب الوقت - من حيث الجملة - هو بيان الحق والدعوة إليه، وتعليم الدين وتربية أبنائه عليه؛ حتى تُحمى البيضة، ويُحافظ على الهوية.