فهرس الكتاب

الصفحة 1203 من 2003

أولًا: رمضان هو شهر الصبر، والنصر دائمًا مع الصبر، والإعداد الجيد، والتخطيط الهادف، وليس مع التعجل والتسرع اللذين يضيعان كل شيء على مستوى الأفراد، والشعوب والأمم، فلم يعرف النصر من استعجل الشيء قبل أوانه، بل عوقب بحرمانه، ولم يعرف النصر من استجاب للإثارة، وسُحبت رجله إلى ساحة الوغى قبل أن يستكمل جوانب الإعداد، بل نالته شر الهزائم.

ولم يعرف النصر من لم يخلص النية، ولم يتبع سنن الله - تعالى - في النصر، بل اعتمد على الإثارة والشهرة والدعاية والتضحيم، بل انكشف أمره في ساحة القتال فلم ينفعه كل ذلك، وأصابته مصائب الفشل الذريع وآثاره الخطيرة.

من هنا فإن شهر الصبر له علاقة بالنصر، ولذلك ربط الله - تعالى - بينه وبين نصر الله ونزول ملائكته فقال - تعالى:"بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (125) وما جعله الله إلا بشرى"لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم" (126) (آل عمران) ، حيث إن الصوم صبر على شهوتي البطن والفرج، فالصائم يمتنع عن الأكل والشرب والمعاشرة الجنسية طوال نهار شهر كامل، مع الامتناع عن المحرمات (من الكذب والغيبة والسب وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك من جميع المحرمات) بل الصبر حسبما يريده الإسلام يفرض على الصائم ألا يرد على من سبه، أو شتمه أو قاتله:"وإن امرؤ قاتله أو سابه أو شتمه فليقل إني صائم، إني صائم، إني صائم"."

وبهذا الامتناع الإيجابي يروض الصوم الصائم خلال شهر كامل على الصبر والتحمل، كما يروضه على التحدي لشهواته وملذاته، فتصبح إرادته قوية بالله - تعالى -، غير خاضعة لأهوائه، ولا أهواء أحد، وهذا هو الارتباط الثاني، وذلك لأن المعارك لا تحسم في ساحة القتال فقط، بل تحسم في ساحة الصدور، وميدان النفس، فالنفوس المنهزمة داخليًا هي التي تنهزم في ساحة القتال، بل قد لا تجرؤ على الدخول في الساحة أصلًا، وتضحي بكل شيء في سبيل أهوائها وشهواتها ومصالحها.

ثانيًا: الصبر يعلم الأمة التضحية بالشهوات في سبيل رضاء الله - تعالى -، ويعودها تجويع أنفسها في سبيل كرامتها، ومن هنا تسقط أمامها أكبر التحديات المتمثلة في التحدي الاقتصادي، فقد قال رئيس إحدى الدول العربية في معرض رده على عدم التحرك العربي أمام كل ما تفعله إسرائيل ووراءها أمريكا، قال:"كيف أحارب أمريكا و70% من الغذاء والحبوب يأتي من أمريكا؟!".

هنا يتدخل الصوم فينادي: لا وألف لا، فلن نخضع لشهوات البطن ونضيع كرامتنا وحقوقنا، فأنا أروض المسلم على أن يصوم ثلاثين يومًا، أي يوفر 50% من الغذاء بل أكثر من ذلك لو التزمت الأمة بمنهج الإسلام في الإنفاق (دون إسراف ولا تبذير) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت