فهرس الكتاب

الصفحة 1205 من 2003

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون 186 (البقرة) . وهذا يعني أن الصوم الحقيقي يصل بالصائم إلى مرحلة عظيمة من الارتقاء الإيجابي حتى يكون تعظيمه لله وحده وليس لغيره، ولا يكون تعظيمه لبشر ولا لدولة ولا لسلطان، مهما كان، ويكون شكره لله - تعالى -، لا لغيره. ومشكلة المسلمين اليوم في هذا الجانب أن نفوس معظمهم منهزمة في الداخل، وجلة من الأعداء، خائفة على مصالحها الذاتية، ولذلك تعظم هؤلاء الأعداء وتخاف منهم. وبالتالي لم تحقق العبودية الكاملة التي يريدها الله - تعالى - من عباده، بأن يكون سجودهم وركوعهم وخضوعهم له وحده، دون شرك ولا رياء ولا نفاق.

وكذلك تبين هذه الآيات أن هدف الصيام.. الوصول بالإنسان إلى مرحلة الرشد لعلهم يرشدون 186 وذلك من خلال ترويضهم على التعبد لله - تعالى - فقط، وليس للأهواء أو الشهوات والرغبات والعواطف.

ثانيًا: منهج التغيير الداخلي:

يترتب على الإصلاح الداخلي الذي أراده الله - تعالى - من الصوم من خلال ترويض الصائم على الصبر، وعلى التقوى، والتكبير، والشكر لله وحده التغيير النفسي المطلوب في قوله - تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى"يغيروا ما بأنفسهم (الرعد:11) ."

فهذه السنة الإلهية قاضية بأن تغيير الأمة نحو الأحسن مرتبط بتغيير الأنفس تغييرًا جذريًا من التردد إلى الإيمان الجازم، ومن الشرك والأوهام والخرافات إلى توحيد الله الخالص في ربوبيته، وألوهيته، ومن هزيمة الأنفس إلى عزيمتها وقوتها وإرادتها الصلبة المعتمدة على الله - تعالى -، ومن تعظيم غير الله إلى تعظيم الله وحده. فمنهج التغيير في الإسلام منهج شامل لتغيير الإنسان: فكره، وتصوراته، وإرادته وسلوكه.

ثالثًا: منهج التعامل:

تشكل آيات الصيام منهجًا متكاملًا في كيفية التعامل مع الدين وشعائره، ومع الخالق ومع المخلوقين جميعًا، وهو منهج رائع عظيم متوازن وسط، كما يتبين ذلك مما يلي:

1 التعامل مع الشعائر التعبدية بيسر وسهولة وبساطة، دون تشدد ولا تعقيد، على عكس ما كان متصورًا في السابق، من وجوب التعامل مع العبادات بشدة وقوة، حيث تضمنت هذه الآيات مجموعة من الرخص للصائم تبيح له الإفطار، كالمرض والسفر أو عدم الطاقة بسبب السن أو غيره، بل إن بعض الأعذار يسقط الصيام تمامًا، فلا يجب قضاؤه، بل يوجب الفدية فقط وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين (البقرة 184) ، ولا يكتفي الإسلام بهذه التخفيفات، بل يجعل منها قاعدة عامة، ومبدأ ساريًا، وهو مبدأ رفع الحرج، وقاعدة التيسير فقال - تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (البقرة: 185) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت