الصياغة إلا إذا وجد منه حسن الإقبال والتوجه إليه في المنشط والمكره وصدق التوكل عليه في الصغيرة والكبيرة.
وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن النصر مع الصبر، والفرج من الكرب، وكلما استحكمت حلقات البلاء زاد إقبال المؤمنين على الله وطال وقوفهم على بابه وذلك هو بداية الفتح المبين، ولكن المسألة تتوقف على عنصر الزمن وحده، وهذا أمر موكول إلى الله - تعالى -، فإذا رأى منا خيرًا وهمة عالية في الدعوة إليه والتقرب منه وطول القيام بالليل بين يديه وكثرة البكاء والتضرع والدعاء، فستصير دفة الأمور إلى ما يحبه أولياؤه وعباده المؤمنون، وسيورثهم الأرض وما عليها، ويُمكِّن لهم فيها كما وعدهم - سبحانه - بقوله: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين {النساء: 105- 107} ، وإن الله أمرنا بالقيام على الشرط حتى يوفي لنا بالموعود، فإذا تأخر تحقيق الموعود فلا ينبغي لنا أن نتعجل وعد الله وإنما نطالب أنفسنا بالصدق في امتثال الأمر، فإذا صدقنا مع الله أعطانا ما وعدنا، والله لا يخلف الميعاد، فتأخير النصر منا وليس من الله، وإلا فكيف ينتظر الإجابة من سد طرقها بالمعاصي؟!
فمن ينشد مجتمعًا تضبطه شريعة الله وتتوق نفسه إلى حياة طيبة يقودها الإسلام ويضبط خطاها فلابد من التضحية بكل غال لتحقيق ذلك، فإن الأماني لا تصبح واقعًا ملموسًا إلا إذا كان وراءها تضحيات بمحبوبات النفس وشهوات الحياة. وإن الداعية إذا ضحى من أجل دينه وأخلص لله؛ لاقت دعوته قبولا، لأنه يدعو الناس إلى معروف يجتهد في تحصيله وينهاهم عن منكر قد نأى بنفسه وأهله عنه، فحينئذ لا يخالف قوله فعله، فيكون ذلك أرجى لطاعته وقبول النصح منه قناعة بأن هذا الداعي ليس بكاذب وأنه لا يدعو إلى أمور هو أبعد الناس منها.
إن الله - تعالى - جعل أوامره ونواهيه في حدود طاقة البشر، وما جعل علينا في الدين من حرج، وأخبرنا أن العبد إذا تقرب منه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، وإذا تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا، وإذا أتاه يمشي أتاه هرولة، وفي هذا دلالة على أن العبد إذا قدم ما يستطيع من تضحية رجاء ثواب ربه وطمعًا في جنته فإن الله يتقبل منه ويعده بالمزيد ويمده بالعون والتأييد، فمن بذل لله ما يستطيعه رزقه الله ما لا يستطيعه، فما على العبد إلا البذل ما استطاع ابتغاء وجه ربه الكريم وبعد ذلك فالنتائج على الله وحده.
والله - تعالى - كما تعبدنا بالغايات فإنه تعبدنا أيضًا بالوسائل، فلا ينبغي لمؤمن أن يبتكر من عنده في دين الله شيئًا بزيادة ولا نقصان، فإن الله - تعالى - قد أتم النعمة وأكمل الدين ورضي لنا الإسلام دينًا.
التضحية وأثرها في بلوغ الغايات