المسلمين جملةً أن لا يغترّوا بما يرونه من زخرف الحياة الدنيا وزينتها في أمةٍ تقطّعت روابطها وانفصمت عُراها، (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْواجًا مّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) [طه: 131] .
من أجل الدنيا وزينتها يغشّ التجار ويطفِّفون، ومن أجل الدنيا يتجبّر الرفعاء ويستكبرون، من أجل الدنيا وزخرفها يروّج الصحفي بقلمه الكذب والزور، ويخفي الحقائق وهي أوضح من فَلَق الصبح، من أجل الدنيا يصبح المرءُ مسلما ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا مقيت.
كل الناس على هذه البسيطة يغدو، فبائع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها، من مُترَفٍ مبطونٍ يأكل ولا يشبع، داؤه العُضال هو أن تذكّره بذوي المسغبة أو المسكنة، أو المصاب الجلل من بني ملّتِه، ومن قارونيّ يجمع ويجمع، ثم يأخذ ويمنع، ومصابُه الجلل في أن تحثَّه على الإنفاق في سبيل الله جهادًا ودعوةً وصدقةً، ومن شباب وفتياتٍ دُعُوا إلى الفضيلة فأبوا، ونودوا إلى صيانة النفس فتمرّدوا، وألقوا [ثيابهم] لكل قادم ناهب، وكشفوا أوعيتهم لكل سَبُعٍ والغ.
والحق ـ عباد الله ـ أن هذا الانطلاق المحموم في مهامِه الحياة ودروبها أفرادًا ومجتمعاتٍ دون اكتراث بما كان وما يكون، أو الاكتفاء بنظرة خاطفة لبعض الأعمال البارزة أو الأعراض المخوفة، الحق أن ذلك نذير شؤم والعياذ بالله، وقد عدّه الله - سبحانه - سمة من سمات المنافقين الذين لا كياسة لديهم ولا يقين لهم: ( أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) [التوبة: 126] .
أيها المسلمون، في الليلة الظلماء يُفتقد البدر، وفي لهيب الشمس وسموم الحر يُستطلب الظل وتستجلب النفحات، وما أروع العدل حين يطغى الجور، والإنصاف حين يعلو الغمط، والوقوف مع النفس في مكاشفة ومصارحة في عصرٍ غلبت عليه المجاملات والرتابة، والفرقة والوحشة، والتناصُر بين النفوس شذر مذر.
ومن هنا يأتي الحديث ضروريًا عن الوحدة والاجتماع، والتآلف والتآخي، والتناصر والتكاتف، في عصر كثرت فيه الموجعات، وقلّت فيه الرادعات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها المسلمون، لطالما تحدّث المتحدّثون، وهتف الهاتفون من أمة الإسلام بأنه يجب أن تكون هناك وحدة قوية راسخة الأسس شامخة المعالم، تَطال أمة الإسلام طُرًا، حتى تكون بعد ذلك صخرًا صلدًا تتحطّم أمامه أمواج الضعف وتتخاذل.
وهذه الدعوة في حقيقتها ليست مستحيلة ولا ضربًا من التخييل أو نزوةً من أحلام اليقظة، كلا عباد الله، فلو كان الأمر كذلك لما حظّ الباري جل شأنه عبادَه المؤمنين على أن يكونوا إخوةً في الله متناصرين معاونين، تجمعهم كلمةٌ واحدة ورابطة واحدة، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ