فهرس الكتاب

الصفحة 1301 من 2003

أما لو أيقن المسلمون أن لهذا الكون مدبرًا عظيم القدرة، وأنه القاهر فوق عباده، تخضع كل قوة لعظمته، وتدين كل سطوةٍ لجبروته، وأن هذا القادر العظيم بيده مقاليد كل شيء، يصرِّف عباده كيف يشاء، لما أمكن مع ذلك أن يتحكم فيهم اليأس، أو تغتال آمالهم غائلةُ القنوط.

فما على المسلمين إلا أن يتحقق بينهم روح الإخاء والتضامن في الدين، فيأخذ القوي بيد الضعيف، ويشد المقتدر من أزر العاجز، وتُرفع راية التوحيد المحصنة، ويُطرح التفاهم بإخلاص في الأمور مع الاعتماد على الله، واللجوء إليه، مع بذل الأسباب المادية، ومحض النصح للقيادة، ابتغاء وجه الله، فدين الله وشرعه وإن ضعف فيه شخص المتقين المجاهدين فهو باقٍ خالد، وُضعت فيه صفات المتقين وخُطط المجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.

كما أنه من الواجب على المسلمين بعامة أن يبحثوا في كل مظنَّة ضعفٍ عن سبب قوةٍ، ولو أخلصوا في تلمّس ذلك وطلبه لانقلب الضعف إلى قوة؛ لأن الضعف قد ينطوي على قوة مستورة يؤيدها الله بعنايته ورعايته، فإذا هي تهدّ الجبال، وتحيّر الألباب، ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) [الفتح: 4] ، سمع معاوية - رضي الله عنه - أن رجلًا من خصمائه شرب عسلا فيه سمٌّ فمات، فقال - رضي الله عنه: (إن لله جنودًا منها العسل) [1] .

كما أنه ينبغي علينا جميعًا أن نعترف بأخطائنا في الواقع والتي يتكاثر عدُّها، ويستحيل حصرها، والتي تخل بنظام السببية في النصر والتمكين، وأن يكون هذا الطرح بصورة صريحة في واقعنا، عبر كافة الوسائل المتاحة دون اقترافِ خياناتٍ قاتلة من ذوي الأقلام المؤثرة والألسن المستميلة في حق دينهم وأمتهم بتجاهل تلك القضايا المهمة، والتي بتجاهلها وغضّ الطرف عنها يُؤخَّر يوم النصر ولا يُقدَّم، فتقود إلى الغرق في بحر لجيٍّ من الخداع والتضليل، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم.

فهل يرتفع شعار الإسلام وترفرف رايته في تحليل القضايا الإسلامية أو تبقى تحت الرايات العميَّة لنبلغ بها القاع والعياذ بالله؟!

( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ ) [الحج: 40، 41] .

هذا وصلوا ـ رحمكم الله ـ على من أمركم الله بالصلاة عليه، فقد قال عز من قائل عليم: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا ) [الأحزاب: 56] .

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...

[1] انظر: مصنف عبد الرزاق (5/460) ، والتاريخ الكبير للبخاري (7/311) ، الثقات لابن حبان (2/298) ، وصار هذا من الأمثال التي تضرب انظر: مجمع الأمثال (1/11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت