قال تعالى في سورة الحج: { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ 41}
وَيُتَابِعُ اللهُ تَعَالَى وَصْفَ المُؤْمِنينَ المَظْلُومِينَ فَيَقُولُ: إِنَّهُمُ الذِينَ إِذَا مَكَنَّ اللهُ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ، وَحَقَّقَ لَهُمُ النَّصْرَ والغَلَبَةَ ، وَجَعَلَ لَهُمُ العَاقِبَة ، عَمِلُوا بِأمْرِ اللهِ ، وَاجْتَنُبوا مَا نَهَاهُم عَنْهُ ، فَأَقَامُوا الصَّلاَةَ ، وأَدَّوهَا حَقَّ أَدَائِها ، وَدَفَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ ، وَأَمَرُوا بالمعْرُوفِ ، وَحَثُّوا النَّاسَ عَلَى فِعْلِ الخَيْرِ وَمَا يُرْضِي الله ، وَنَهَوْا المُتَجَاوِزِينَ عَلَى حُدُودِ اللهِ عَنْ فِعْلِ المُنْكَرِ . وَعِنْدَ اللهِ حِسَابُ النَّاسِ جَميعًا فِي نِهَايَةِ المَطَافِ ، وَلَهُ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ، فَيجْزِي كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى عَمَلِهِ ..
إن قوى الشر والضلال تعمل في هذه الأرض ، والمعركة مستمرة بين الخير والشر والهدى والضلال؛ والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ أن خلق الله الإنسان .
والشر جامح والباطل مسلح .
وهو يبطش غير متحرج ، ويضرب غير متورع؛ ويملك أن يفتن الناس عن الخير إن اهتدوا إليه ، وعن الحق إن تفتحت قلوبهم له . فلا بد للإيمان والخير والحق من قوة تحميها من البطش ، وتقيها من الفتنة وتحرسها من الأشواك والسموم .
ولم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير والحق عزلًا تكافح قوى الطغيان والشر والباطل ، اعتمادًا على قوة الإيمان في النفوس وتغلغل الحق في الفطر ، وعمق الخير في القلوب . فالقوة المادية التي يملكها الباطل قد تزلزل القلوب وتفتن النفوس وتزيغ الفطر . وللصبر حد وللاحتمال أمد ، وللطاقة البشرية مدى تنتهي إليه . والله أعلم بقلوب الناس ونفوسهم . ومن ثم لم يشأ ان يترك المؤمنين للفتنة ، إلا ريثما يستعدون للمقاومة ، ويتهيأون للدفاع ، ويتمكنون من وسائل الجهاد . . وعندئذ أذن لهم في القتال لرد العدوان .
وقبل أن يأذن لهم بالانطلاق إلى المعركة آذنهم أنه هو سيتولى الدفاع عنهم فهم في حمايته: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } . .وأنه يكره أعداءهم لكفرهم وخيانتهم فهم مخذولون حتمًا: { إن الله لا يحب كل خوان كفور } . .وأنه حكم لهم بأحقية دفاعهم وسلامة موقفهم من الناحية الأدبية فهم مظلمون غير معتدين ولا متبطرين: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } . .
وأن لهم أن يطمئنوا إلى حماية الله لهم ونصره إياهم: { وان الله على نصرهم لقدير } . .
وأن لهم ما يبرر خوضهم للمعركة فهم منتدبون لمهمة إنسانية كبيرة ، لا يعود خيرها عليهم وحدهم ، إنما يعود على الجبهة المؤمنة كلها؛ وفيها ضمان لحرية العقيدة وحرية العبادة . وذلك فوق انهم مظلومون أخرجوا من ديارهم بغير حق: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } . . وهي أصدق كلمة أن تقال ، وأحق كلمة بأن تقال . ومن أجل هذه الكلمة وحدها كان إخراجهم . فهو البغي المطلق الذي لا يستند إلى شبهة من ناحية المعتدين . وهو التجرد من كل