أجل دخول دخول أهل تلك البلاد في دين الله، وكان ما أراد، حيث قالوا جميعًا: آمنا بالله رب الغلام. ومن المعلوم بداهة أن قتل الأعداء من أعظم
المخاطرة، لما في ذلك من تعريض النفس للتلف..
الجود بالمال جود فيه مكرمة *** والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وإذا كان أكثر أهل العلم قديمًا قد ذهبوا إلى مشروعية الاقتحام على العدو، والانغماس في صفوفه، مع تحقُّق الهلاك، وضعف العدة، وقلة العدد، بقصد النكاية بالعدو، وكسر عنفوانه، وفلِّ شوكته، وتوهين قناته، فإن الصورة العصرية أيضًا مشروعة لذات المقصد والغاية. قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني ـ تلميذ الإمام أبي حنيفة ـ رحمهما الله:"لو حمل رجل واحد على ألف من المشركين وهو وحده فلا بأس بذلك، إذا كان يطمع في النجاة، أو نكاية في العدو. وإن كان قصده إرهاب العدو، وليعلم صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه. وإن كان فيه نفع للمسلمين فتَلِفتْ نفسه لإعزاز الدين، وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح الله تعالى به المؤمنين بقوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) ".
وصحح أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله جواز الاقتحام على العساكر لمن لا طاقة له بهم؛ لأربعة وجوهٍ: طلب الشهادة، ووجود النكاية، وتجرئة المسلمين عليهم، وضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنع واحد فما ظنك بالجمع. ومن شواهد ذلك في السيرة: حمل سلمة بن الأكوع والأخرم الأسدي وأبي قتادة وحدهم رضي الله عنهم على عيينة بن حصن ومن معه، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (خير رَجّالتنا سلمة) . قال ابن النحاس:"وفي الحديث الصحيح الثابت أول دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده، وإن غلب علىظنه أنه يُقتل إذا كان مخلصًا في طب الشهادة كما فعل سلمة بن الأخرم الأسدي"، ومن المشهور أيضًا فعل البراء بن مالك في معركة اليمامة، فإنه احتُمِل في ترس على الرماح، وألقوه على العدو فقاتل حتى فتح الباب، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ، ومن ذلك أيضًا قصة أنس بن النضر رضي الله عنه في وقعة أحد، فقد قال:"واهًا لريح الجنة"، ثم انغمس في المشركين حتى قُتل .
ولا ريب أن البون شاسع بين من قتل نفسه جزعًا من الحياة و تخلصًا من آلامها كما في قصة قُزمان الذي نحر نفسه فاستعجل الموت ، أو ما يقع من حوادث انتحارية جراء المعيشة الضنك، وبين صورة ذلك الشاب المجاهد، الذي يقتل نفسه ليحيي أنفس الأجيال المسلمة من بعد ذلك (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا) فحاشا لمثل هذه الصورة الفدائية المشرقة أن تكون مجرد حماسة فائرة، أو عزمة مفردة، أو تغريرًا بأنفس متهورة في باطل فضلًا عن أن تكون انتحارًا أو قتلًا للنفس بغير حق. قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله:"إن التغرير في النفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين"، ونقل النووي الاتفاق على التغرير بالنفس في الجهاد .