فكان البحث عن الحلِّ الإسلامي أمرًا مهمًا، وفرضًا متحتِّمًا على كافة المسلمين؛ وكلٌّ بقدره ."فاتقوا الله ما استطعتم".
فإذا عُلم ما ذكرناه آنفًا؛ كان من العدل والإنصاف أن نضع الأمور في نصابها، وذلك ماثلٌ في معرفةِ حقيقةٍ مسلَّمةٍ وهي: أن طرح الحلول، وإيجادها، والكلام عنها لا يلزم منها ضرورةً الصِّحة والواقعيَّة؛ بقدر ما هي دعوةٌ إيمانيةٌ لشحذِ الهمم، والاستفادة من أفكار وطاقات المسلمين في التعامل مع قضاياهم الإسلامية لاسيما التي تَمسُّ دينَهم، وعزَّتهم، أو شيئًا من حقوقهم !.
فعند هذا؛ كان من الحكمة البالغة أن ندعوا كافَّةً المسلمين عالمَهم وجاهلَهم، كبيرَهم وصغيرَهم، ذكرَهم وأنثاهم ... للمشاركة والتعاون في طرح الحلول، وعرضها بقدر ما نملك من استطاعة .
فكلامنا حينئذٍ يدور حول نقطتين مهمتين:
الأولى: ليس من الضرورة صحَّة الحلول عند طرحها .
الثَّانيةُ: مبدأ الشورى أصلٌ من أصول السياسة الشرعية، والتدابير المرعية .
فمن قرأ السيرة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم - أو قلَّب صفحات التأريخ علم يقينًا أن الإسلام لم يُهمل أحدًا من المسلمين عن إبداء رأيه، والمشاركة في قضايا المسلمين؛ فالكل سواء بسواء فما كان عنده الحل الأمثل قُبِلَ وقدِّم على غيره أيًّا كان قائله ما كانت سمة الإسلام بينهم ظاهره !، فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"... المسلمون يدٌ على مَنْ سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمَّتهم أدناهم، ويُجيرُ عليهم أقصاهم ..."الحديث، أحمد وغيره ( ) . وكما قال تعالى:"وشاورهم في الأمر"آل عمران 159، وقال تعالى:"وأمرهم شورى بينهم"الشورى 38.
وتدليلًا على ذلك أنَّ آراء الصحابة ـ رضي الله عن الجميع ـ حول أسرى بدرٍ تكاثرت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهم من قال بقتلهم، ومنهم من أمر بحرقهم، ومنهم من رجَّح فداءهم ... الخ، وهذا كلُّه لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا من المشورة وطرح الحلِّ الذي يخدم الأمة، كما أننا لا ننسى مشورته صلى الله عليه وسلم للصحابة يوم قال في بدرٍ:"أشيروا عليَّ أيها الناس"!، وليست عنَّا قصة سلمان الفارسي ببعيد يوم طرح حلًا لم يكن مألوفًا عند العرب آنذاك !؛ وهو أمره ـ رضي الله عنه ـ بحفر خندقٍ يحجز به العدوَّ عن دخول المدينة النبوية، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم شاور أمَّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ في عمرته التي منعه منها أهل مكةَ، وذلك عندما أمر الناس أن ينحروا الهديَ ويحلقوا رؤوسهم، فلم يقم منهم أحدٌ إلى ذلك، فكرر الأمر ثلاث مرات؛ فأشارت إليه بأن يبدأ هو بما يرد، ففعل، فقاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًَّا ( ) ... وغير ذلك من الأخبار والوقائع التي تضيق بها هذه الرسالة الخ، كلُّ هذا دليلٌ على تعزيز مبدأ مشاركة الآراء، وأخذ المشورة من كافة المسلمين .