الحمد لله الذي وعد فصدق ، وأعطى فأغدق ، رحمته واسعة ، وفضائله يانعة ، وصلى الله على محمد بن عبد الله النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم ثم أما بعد:
إن الذي ينظر بعين البصيرة لأحوال المؤمنين في أصقاع المعمورة ، وما أصابهم من الذلة والمسكنة ، وضياع حقوقهم ، وتسلط أعدائهم ، واستباحة بيضتهم ، لترجع به الذاكرة إلى احوال المستضعفين من المؤمنين إبَّان إظهار رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته في العهد المكي ، وأقصد بالمشابهة في الظروف المحيطة وإلا ففرق بين ما كان يعيشه أولئك الصحب الكرام رضي الله عنهم من الإيمان واليقين وصالح العمل مما خفف عنهم المصاب ، وثبتهم أمام الفتن ، بخلاف ما يحدث من المسلمين اليوم من تفريط في دينهم ، ونسيانٍ لتراثهم ، وتنكرٍ لهويتهم ، مما زاد في مصيبتهم وأحلهم دار البوار الدنيوية ونسأل الله العلي القدير أن يجيرنا والمسلمين من دار البوار الأخروية بمنِّه وكرمه إنه جوادٌ كريم.
ولذا كان علينا أن نستلهم العبرة ، ونكرر النظرة في أحوالهم وبم خاطبهم ربهم سبحانه ، ووجههم نبيهم صلى الله عليه وسلم لنعلم المخرج مما نحن فيه من التيه والتخبط ، فأردت أن أذكر نفسي وإخواني بما ييسره الله من تدبرٍ لآيات النصر في كتاب الله سبحانه لتعلو الهمم ، وتنقشع سحب الهزيمة ، وننظر لواقعنا نظرة المتفائل الذي يعلم ليعمل ، ويترقى في سبل المعالي والعزة ، ولا يقعد به اليأس ليراوح يديه على خديه يندب حظه ، ويمقت عمره ونفسه ، فالكون سائر بمن فيه فمن تقدم معه وإلا خلفه وراءه مع الخالفين وسيقال لهم كما قيل لمن قبلهم ? إنكم رضيتم بالقعود أول مرةٍ فاقعدوا مع الخالفين ? [ التوبة 83] ، وسيكون حديثي بإذن الله عن آيات النصر حسب التسلسل في السور وليس في النزول ولا الحوادث ، إلا ما تدعو الضرورة لربطه من الآيات ببعضها والله نسأل أن يسدد القول والنية إنه جوادٌ كريم.
وهذه أولى الوقفات مع آية من سورة البقرة يقول فيها الله عز وجلَّ: ? أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) ?
قال الإمام ابن كثير في تفسيره:
يقول تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ } قبل أن تُبتَلُوا وتختبروا وتمتحنوا، كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم؛ ولهذا قال: { وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ } وهي: الأمراض؛ والأسقام، والآلام، والمصائب والنوائب.
قال ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومُرّة الهَمْداني، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، والسّدي، ومقاتل بن حَيّان: { الْبَأْسَاءُ } الفقر. وقال ابن عباس: { وَالضَّرَّاءُ } السّقَم.