فهرس الكتاب

الصفحة 1448 من 2003

إن علو أمريكا وحلفائها من قوى الشر والطغيان ؛ إنما هو دورة من دورات الزمن ، وإن الزمن لن يقف عند هذا الحد ، وإن التاريخ لن ينتهي بهذا المشهد بل ستمر دورات ودورات تحقيقًا لقول الله تعالى: { وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس } ( آل عمران: 140 ) .

من كان يظن عندما جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى توحيد الله العلي الكبير ، ونبذ الشرك وعبادة ما سوى الله تعالى ؛ بين ظهراني مشركي مكة وساداتها ، واشتداد أذى صناديد كفار قريش لمن آمن من المسلمين ؟!

من كان يظن أن بلال بن رباح ذلك العبد الأسود الحبشي الذي لا قيمة له في نظر المشركين ، والذي كان يُعذَّب في وقت الظهيرة في بطحاء مكة الملتهبة ، من كان يظن أنه سيرقى يومًا ما على ظهر الكعبة في وجود أشراف قريش وسادتها وهم ينظرون إليه ولا يملكون إلا النظر ، وهو يردد بصوته الجهوري الندي وهو آمن ما يكون: الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدًا رسول الله ... ؟!

هذه صورة وقعت في الماضي وغيرها كثير لم يكن أحد يتخيل حدوثها في ظل موازين القوى المختلفة بين الفريقين ، ففريق قوي مسيطر يملك كل شيء ، وفريق آخر ضعيف مستعبد لا يملك شيئًا ، ومع ذلك فقد حدث الذي حدث ، وسيحدث من مثله ما شاء الله أن يكون ، يدرك ذلك المتقون المؤمنون ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في مكة قبل الفتح ، عندما قال له بعضهم من شدة ما يلاقي من الأذى ولا يجد ما يكف به ذلك: ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو الله لنا ؟

فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: « والله ! ليتمن هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ، أو الذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون » [1] .

فهذا الصحابي لما رأى من شدة التباين في موازين القوى بين معسكر الإيمان الضعيف ماديًا في ذلك الزمان ، وبين معسكر الكفر القوي ماديًا ، ورأى من خلال المقاييس والحسابات المادية والتصورات العقلية أنه ليس بإمكان المسلمين النصر على العدو ، ورأى أن ذلك لا يمكن حدوثه إلا من خلال عقوبة إلهية ؛ طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء والاستنصار ، وكان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا التصور الذي قد يدفع بعض الناس إلى الإحباط وفقدان الأمل ؛ يتمثل في أمرين:

الأول: التبشير بالنصر والتمكين ؛ وبغلبة الحق وأهله ، واندحار الباطل وجنده: « والله ليتمن هذا الأمر » .

الثاني: دعوته لهم بعدم الاستعجال ، حيث ينبغي عليهم الصبر والتحمل والعمل والجد والاجتهاد والجهاد: « ولكنكم تستعجلون » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت